الجمعة، 17 يونيو 2022

الإسلام دين الدّولة أم دين الشّعب؟ الكلام في الدستور كلام في السياسة كذا قال أستاذ القانون الدستوري أمين محفوظ

 

على الشّعب التونسي ألاّ يفاجئه تصريح الأستاذ الصّادق بلعيد أنّه سيلغي الفصل الأول من دستور 2014 الذي ينص على تونس دولة حرة مستقلة الإسلام دينها والعربية لغتها والجمهورية نظامها. الذي في الحقيقة – تاريخيّا- يمثّل الفصل الأوّل لدستور 1959 أي الدستور الذي ختمه الرئيس بورقيبة.
وليكون الأمر واضحا، فإنّ كلّ التعلات أو التبريرات التي ساقها بعض أساتذة القانون الدستوري- الموالين للرئيس قيس سعيد- لبيان الغرض من إلغاء هذا الفصل ليست سوى وسيلة تمويه على الناس، وإخفاء لحقيقة الإرادة الفعليّة التي قرّرت إلغاء هذا الفصل الذي يضبط هويّة الدولة التّونسيّة منذ استقلالها.. وما يقدّمه الثّنائي بلعيد / محفوظ من تبريررات في هذا الشّأن ليست سوى أكاذيب مغلّفة بالتسويق السياسي لإرادة هذا الإلغاء ومن يقف وراءه.
فتبرير السعي في إلغاء هذا الفصل – كما يقول الصّادق بلعيد(1)- بأنّ 80 بالمائة من الشعب التونسي يناهض التطرف وتوظيف الدين الإسلامي لأهداف سياسية، وعليه سيقوم بمحو الفصل الأول من دستور 2014 .
هذا التبرير هو إفك عظيم، وافتراء على التاريخ الحيّ، وخلط للمسائل وتلبيس على النّاس، لأنّ الإبقاء هذا الفصل فيه بيان لمضادة الشعب للتطرّف والغلوّ، ولأنّ كراهية هذا الشعب للتطرّف ومقاومته له لم تدفعه مطلقا – وفي أحلك ضربات المتطرّفين- إلى المطالبة بإلغاء هذا الفصل.. ولا أحد يستطيع أن يأتي بدليل على كراهية الشعب لهذا الفصل مثل كراهيته للتطّرف سواء في الاعتداء الآثم على متحف باردو في 18 مارس 2015، أو محاولة إرساء إمارة في بن قردان في 07 مارس 2016 أو غيرهما من الأحداث الأخرى في هذا الاتجاه.
وتبرير إلغاء هذا الفصل بأنّه فصل استغلّه المتاجرون بالدين على حدّ قول أمين محفوظ – هكذا دون تعيين- (وهذه استراتجية في الاتهام عند الموالين لانقلاب 25 جويلية) أو تبرير ذلك صراحة- كما هو الحال مع الصادق بلعيد- بأنّ غاية هذا الإلغاء غلق الأبواب أمام أحزاب الإسلامي السياسي على غرار حركة النهضة هو محض افتراء مقصود وتلبيس مغرض هدفه تشويه خصم سياسي فاعل على الأرض ومناهض قويّ للانقلاب...لأن إلغاء هذا الفصل يمسّ طيفا واسعا من المسلمين التونسيين ممّن لا ينتمي إلى ما يسمّى الإسلام السّياسي. ولأنّ حركة النّهضة ذاتها لا تنصّب نفسها وصيّة على دين التونسيين ( وإن كانت مرجعيّتها إسلاميّة )، ثمّ لأنّ هذا الفصل قديم الوضع على رأس الدستور التونسي إذ هو يعود إلى سنة 1959، ولأنّ الذين أبقوه على رأس دستور 27 جانفي 2014 هم الأغلبيّة الغالبة من أعضاء المجلس التأسيسي حيث صوّت 200 نائب بنعم، و4 تحفظوا و12 قالوا "لا"، من مجموع 216 نائب شاركوا في التصويت على دستور تونس برمته، وذلك بعد المصادقة عليه في وقت سابق "فصلا فصلا". وهؤلاء المصوّتون ليسوا جميعهم من حركة النّهضة بل النسبة الأكبر منهم من خصومها… وللتدليل على هذا " الإجماع" جاء في التقرير العام للدستور المؤرخ في 24 جانفي 2013 في فقرة المبادئ العامة أنّه "بتوافق وطني واضح وبمبادرة تاريخية، تم الاتفاق على الاحتفاظ على الفصل 1 من دستور 1959". وللتّأكيد على القطع الحاسم للشعب التونسي (عن طريق ممثّليه) في مسألة هويّة دولته، أضيفت إلى هذا الفصل جملة تعبّر عن تلك الإرادة القاطعة للشعب على مدى الزمن المستقبلي تقول صراحة: لا يجوز تعديل هذا الفصل"… وهذا يعني أنّه لا يجوز تعديل هذا الفصل أيّا كانت التعلات والتبريرات.
إذن، ليست هذه التبريرات سوى غلاف لإخفاء الإرادة الحقيقيّة الدّاعية إلى إلغاء هذا الفصل… وهذه الإرادة صراحة هي إرادة أستاذ القانون الدستوري في الجامعة التونسيّة قيس سعيد حيث ألقى محاضرة في كلية العلوم القانونية والسياسية والاجتماعية بتونس، وذلك يوم الأربعاء 12 سبتمبر/أيلول 2018 بمناسبة افتتاح الموسم الدراسي 2018/2019 بعنوان "دينها الإسلام" وموضوعها الفصل الأول من الدستور التونسي.(2)
يقدّم قيس سعيد إشكالية المسألة قائلا: المحاضرة عنوانها "الإسلام دينها"، والأمر يتعلق بالضمير، ولم أذكر تونس لأنني سوف لن أتحدث عن تونس بل عن قضية الإسلام والدين في الدستور التونسي وفي غير الدستور التونسي انطلاقًا من هذا الضمير. وبذلك فإنّ اختيار عنوان المحاضرة " يهدف للحديث عن الدين والدولة في تونس.. وبالاختصار المفيد تتمثّل الإشكاليّة في الآتي: هل تجوز إضافة الضمير في عبارة "دينها" إلى الدّولة، لا في تونس فقط ولكن في كلّ دولة؟
يذهب سعيد إلى أنّ الدّولة نشأت(3) في الفكر الغربي باعتبارها " فكرةً ثمّ مؤسسةً قانونية قائمة الذات" ولذلك فهي ليست ظاهرة طبيعيّة وإنّما هي شيء يصطنعه " التصور والخيال"، إذ " لم يجلس أحد مع الدولة بتعبير أحد الفقهاء على مائدة الغداء، ( وعليه) فكيف لهذه الذات المعنوية أن تكون لها عقيدة وأن تدين بدين من الأديان؟ هل توجد بهذا المفهوم الحديث للدولة دول تطوف بالبيت الحرام أو تسعى بين الصفا والمروى أو تتطهّر أو تصوم؟ هل يوجد يومُ حشر للدول فيدخل بعضها للجنة ويُدخل بعضها الآخر للنار بعد أن تمرّ كل دولة على الصراط؟ هل توجد ذات معنوية قانونية أعلنت توبتها أو غسلت حوبتها أو على العكس أعلنت ردّتها وغيرت ملتها أو كشفت عورتها"؟ (4)
وكرّر سعيد مثل هذا القول – باختصار- بمناسبة إشرافه على احتفال دينيّ(5) فقال:إن "الإسلام هو دين الأمة وليس دين الدولة، ونحن لا نصلي أو نصوم بناء على الفصل الأول من الدستور وإنما بأمر من الله". وأضاف  أنّ "الدولة ذات معنوية مثل الشركات فما معنى أن يكون لها دين".
لاشكّ أنّ هذه الفكرة – فكرة أنّ الدّولة لا دين لها- فكرة قديمة وهي إلى حدّ ما تبدو قويمة، ومناقشتها تحتاج تفصيلا، ولهذا ننظر فيها في نقاط ….:
1- من يصف الدولة ؟:
« مع أنّ أحدا لم ير الدّولة أبدا، فمن يستطيع مع ذلك أن ينكر كونها حقيقة ؟ وأنّ المكان الذي تحتلّه في حياتنا اليوميّة مهمّ إلى درجة أنّها إذا أزيلت منها، تعرّضت إمكاناتنا للعيش إلى التّدهور فورا». ومع أنّ الدّولة كائن معنويّ غير متعيّن واقعا ولا ظاهر طبيعة، فإنّنا نشعر بوجودها ونحسّ وطأتها علينا، ولذلك نصفها بشتّى الأوصاف سلبا وإيجابا: فهي سخيّة إن أكرمتنا ورفّعت من رواتبنا، وهي بخيلة وشحّيحة إن أمعنت في تسليط الضرائب والخطايا علينا، وهي قويّة عتيدة إن دفعت عن مواطنيها الظلم، وهي ضعيفة بائسة إن أسلمتهم لمن يظلمهم ويعتدي على حقوقهم، وهي عند الدول الأخرى مارقة إن تجاوزت حدودها وسعت إلى تثبيت قرارها وسيادتها، وهي في عين مواطنيها دولة وطنيّة تحافظ على استقلالها وتسعى إلى رفعة شعبها، وهي عند البعض مدنيّة – على اختلاف في فهم هذا النعت(6)-، وعند غيرهم محافظة ورجعيّة، وهي أحيانا قُطْرِيَّة، وأحيانا أخرى دولة أمميّة طبقا لأديولوجيا حاكميها...إلخ. وإذا "غابت" الدولة نسأل باستغراب: تي ويني الدولة؟ وإن قصّرت في أداء واجبها وشدّدت الخناق علينا قال بعضنا: دولة بنت كلب".!!!
وفي كلّ هذه الأحوال لم تدفع الدولة عن نفسها نعتا ولا فرضت صفة، ولا هي أضافت إليها سمة ولا رفضت وصما… وهي في كلّ ذلك يضاف إليها ما يضاف ويصرف عنها ما يصرف بقطع النّظر إن كان سالبا أو موجبا…
وعليه فإنّ إضافة الدّين إلى الدولة لا يعني وصفها بما لا تحتمله، ونفي الدّين عنها ليس هو بإرادتها ولا رفضها، فهي لا تضيف إلى ذاتها شيئا ولا تنفيه عنها… وإنّما يفعل ذلك أولئك الذين يحكمون "باسمها" ويتكلّمون عن "لسانها" وهذا ما ينفي التوهّم بأنّ الدّولة " شخصية مستقلّة عن أشخاص الحكّام ". كما يزعم قيس سعيد .
وهؤلاء الممثّلين للدولة أو عنها، سواء أكانوا فردا واحدا، أو أقليّة حاكمة، أو أغلبيّة منتخبة… من واجبهم تجسيد الفكرة التي يكوّنها المجتمع عن الدّولة، وليس أمامهم سوى بناء الدّولة على التصميم المقبول من الشّعب… وبهذا فسواء كانت "الهاء" في عبارة: "الإسلام دينها" منصرفة إلى الدّولة التونسيّة كما يقتضيه السّياق النّحوي، أو إلى تونس – بالمخادعة اللّغويّة- أو إلى الأمّة/ الشّعب كما يقول قيس سعيد معبّرا عن متاهات الضمائر...فإنّ من واجب هذه الدولة أن تعبّر عن هويّة ذلك الشّعب لا أن تتجاهلها أو تنفيها… وهذا " ما يفسّر كون الدّولة هي ما نستحقّ أن تكون"، لا أن تكون كما يريدها فرد ولهان بفكرة أو جماعة عاشقة لنهج مغاير لنهج الأمّة وقناعاتها.
2- حذف الأوصاف والإضافات:
يقتضي قياس حذف إضافة الدّين الإسلامي إلى الدّولة، حذف إضافة اللّغة العربيّة إليها، ذلك أنّ الدّولة لا تتكلّم مطلقا وإنّما ينطق باسمها الحكّام، ولا توجد دولة تتكلّم العربيّة وأخرى تتحدّث الأمازيغيّة وثالثة تجيد لغتيْن ورابعة بكماء لا تنطق أو هي لا تستطيع أن تكتب لغتها إذ لم تُتحْ لها فرصة التعلّم فدخلت عالم "الأميّة" مباشرة.. كلّ ذلك بنفس منطق نفي الدّين عن الدولة ينبغي أن تنفى نسبته إليها أيضا ... لأنّ اللّغة تنسب إلى الشّعب أو الجماعة التي تتكلّمها وبها يتواصل أفرادها، ولا يمكن أن تنسب إلى كائن غائب لا يعبّر عن ذاته ولا هو يدلّ عليها...
ويستتبع ذلك حذف النّظام عن الدّولة، لأنّ أيّ نظام ينسب إليها هو في الحقيقة ليس من اختيارها ولا اقتراحها فلا توجد دولة تولد مدنيّة وأخرى جماهيريّة وثالثة ديمقراطيّة ورابعة اشتراكيّة ...إلخ. ولهذا السّبب ، إذا كانت الدّولة شيئا يصطنعه الفكر/ الخيال البشري، " فهي ليست متصوّرة بشكل واحد إلى الأبد" وإنّما هي متغيّرة باستمرار إمّا على مقتضى إرادة الشّعب أو استجابة لشهوة حاكم أو نزوة باطل.. ولذلك فما ينسب إلى الدولة من نظام إنّما هو من اختلاق البشر تقوّلا عليها أو هو مخاتلة العقل لنفسه وإيهاما له أنّه يجيب اختيارات الدّولة والحقّ أنّه يجيب قناعاته.
وما تثبته سلطة سياسية اليوم غصبا وقوّة ستنقضه سلطة أخرى ترثها أو تغلبها.. وما يفرضه حاكم اليوم عن غير تراض ولا اتّفاق معرّض غدا للنّقض والإهمال… ولم تثبت طوال التّاريخ إلّا الدساتير التي عليها إجماع أو شبه إجماع… وإذا كانت الأمم لا تجتمع إلّا على نصّ مكتوب أو شفويّ فاستحقاق الإجماع عليه ناتج عن كونه نصّا جامعا لا يفرّق ووثيقة ترأب الصّدع وتلأم الشّقاق.. لا أنّه نصّ شقاق وفتنة، ووقود نار وفرقة.
2- هويّة أركان الدّولة:
تعرّف الدّولة بأركانها الأربعة: 1- الشّعب 2- الإقليم/ الأرض 3- الحكومة 4- الشّخصيّة القانونيّة.
الركنان الثالث والرّابع من تبعات وجود الركنين الأوّليْن، وبوجودهما يوجدان وعنهما ينبثقان، قد لا توجد الحكومة..أو تكون حكومة منفى.. وقد لا يعترف بالدّولة من المنتظم الأممي ولكن ذلك لا يعني عدم إمكان قيامها لاحقا، وكلّ البلدان التي احتلّت، وكلّ الشعوب التّي اضطهدها المحتلّ تحرّرت وصارت دولا… فهذان الرّكنان(الحكومة والشّخصيّة القانونيّة) يعدّان ثانويّين، ويمكن تحصيلهما بمرور الوقت واستمرار الكفاح… أمّا ركنا الأرض والشّعب فهما أساسان لقيام الدّولة، لأنّه لا توجد دولة مرتحلة كما لا توجد دولة بلا شعب تحكمه.
وكما تضبط حدود الأرض برّا وجوّا وبحرا - إن كانت لها إطلالة عليه-، أي تُعَرَّفَ هويّتها، تُضبط أيضا شخصيّة الشّعب الذي يقيم عليها، فالمنطق العقلي والسياسي يقول: إنّ هويّة الدّولة يجب أن تحدّد على حدّ هويّة الأرض والشّعب… أي على حدّ ما يشكّل ضابطا للأمّة وهويّتها … وهما عربيّة اللّغة وإسلاميّة الدّين، وبهما تغنّى الشّعراء قديما وحديثا " بعبارات رائعة لن تتوصّل أدقّ التحليلات العلميّة إلى الحلول محلّها، ذلك أنّها تولد في الشّغاف الأكثر خصوصيّة من ذواتنا". ويكفي للتّذكير بذلك عبارة فؤاد حدّاد في رائعته:
الأرض بتتكلّم عربي تقول: الله
إنّ الفجر لمن صلّاه…
وكلّ هذه المعاني تجبرنا على أن ندرك أنّ مكّة المكرّمة أقرب إلينا من قرطاج، وأنّ عقبة بن نافع أولى بنا من حنّبعل.
وهذا يعني أنّ الإسلام ليس من لواحق الحضارة التي يمكن وضعها في متحف الآثار، وأنّ التّخليّ عن محدّدي اللّغة والدّين يفقدنا القدرة على ممارسة التّاريخ الحاضر والمستقبلي، وأنّنا لن نبلغ العلا والرّقي بالتّخلّي عن الإسلام، أي عن الأنا الأعلى التّاريخيّ لهذه الأرض ولهذا الشّعب.
3- الدّولة والحقّ:
تعتبر الدّولة وسيلة تقنية لتحقيق القيم الدّينيّة والاقتصاديّة والثّقافيّة.(7) وإذا كانت هناك دولة بصورة بشعة فلأنّه حيل بينها وبين تحقيقها تلك القيم، وطبعا فإنّ نصيبا من العوائق المانعة لذلك يُرجع إلى القيادة التي تتزعّم تلك الدّولة، ولقد شهد التّاريخ على مدى الزّمان أنّ دولا كانت ذات رفعة ومكانة عليّة ذهب بها سوء التّدبير أحيانا، ونوازع الأنانيّة وحبّ الشّهوات في أحيان كثيرة أخرى، وكلّ ذلك لم يكن نتاج الاستبداد فقط بل كان في صميمه تنكّب عن القيم التي أبعدت عن قيادة الدّولة بموجب ذلك الاستبداد...والشّواهد عندنا كثيرة من ضياع دولة المسلمين في الأندلس إلى الأبد، إلى الكارثة التي حلّت بفلسطين، إلى تدمير العراق بداية من تسعينات القرن السّابق… دون مرور تفصيليّ على ضياع سنوات طويلة من أعمار شعوبنا وطاقاتها وهدر ثرواتها تحت وطأة الاستبداد و" المطبّلين والمزمّرين له"..
وإذا كانت شعوبنا – وإلى اليوم – لم تقدر على التّحرّر الكلّي من ربقة التسلّط ونير المستبدّين، ولم تتمكّن من جعل الدّولة تبلغ كمالها الأخير بتحقيق القيم العليا التي يعتنقها أفرادها ويتّخذونها نبراسا بهديه يقتدون، فذلك لأنّ تلك الشّعوب لم تبلغ بعد الحادي الكافي من العظمة والعزّة ما يحول بينها وبين الخلاص النّهائي من أغلال الاستبداد وتغوّل الدولة عليها، بل لم تملك من الوعي الكافي والصّفاء الخُلُقي ما بلغته المجتمعات البدائيّة حين كانت تضادّ الدّولة وتمنع استبدادها وتعديّها على قيم الأجداد.
في الرّؤية الدّينيّة " لا تتطهّر الدّولة ولا تصوم، ولا يوجد يومُ حشر للدول فيُدخل بعضها للجنّة ويُدخل بعضها الآخر للنار بعد أن تمرّ كل دولة على الصراط؟ ولا توجد ذات معنوية قانونية أعلنت توبتها أو غسلت حوبتها أو على العكس أعلنت ردّتها وغّيرت ملتها أو كشفت عورتها"، كما يقول قيس سعيد عن حقّ.
ولكن – ومع استحضار نقطة: من يصف الدّولة؟ - فإنّ مسألة الخير والشّرّ مبادئ بعديّة تُسقَط على الدّولة بعد إيجادها والحكم باسمها، والذي سيعاقب على اقتراف ذلك الشّرّ أو إتيان الخير هم الحكّام الذين يعبّرون عن إرادتهم عبر الدّولة خيرا أو شرّا، فالدّولة ليست سوى أداة يصطنعها الإنسان لتساعده على هذه الغاية أو تلك، إذ الدّولة لا تنشئ حقّا ولا باطلا، " ولا قيمة لها بذاتها إلّا بقدر ما تخدم قيمة أعلى منها، وإذا كانت الحياة الدّنيا عابرة ومؤقّتة فالدّولة ينبغي أن توفّر للإنسان السّبل التي تساعده على أن يحيا الحياة الفاضلة هنا لكي يضمن السّعادة الأبديّة هناك". (8)
ومعنى " هناك" - طبعا: في الآخرة، طبقا لمعتقدات الشّعب الذي تحكمه الدّولة وتقوده إلى سبل الخير، وهو بالنّسبة إلى الشّعب التّونسي يتمثّل في الإسلام دون منازع.
وإذا كان توصيف الدّولة بالإيمان والكفر، والعدل والظلم قائما في التّراث العربي الإسلامي (9)، فإنّ ذلك التوصيف يختزن المعاني التي يسحبها المجتمع على من يحكمُه - من وراء ستار الدّولة- ويُصْدِر الأوامر والنواهي في حقّه، ويستتبع أحكام الطاعة والعصيان له بحسب توصيفه للدولة إسلاما وكفرا…






1إذاعة ifm الاثنين 6 جوان 2022
2  
https://ultratunisia.ultrasawt.com بتاريخ 13 ديسمبر 2018

3في القرن السّادس عشر تقريبا، أي " في الوقت الذيكان يتكوّن فيه تصوّر الدّولة". بوردو جورج، الدولة، ترجمة سليم حدّاد، ط2، المؤسسة الجامعيّة للدراسات والنّشر والتّوزيع، بيروت، 1407ه/1987م، ص 28 و 30.
4الموقع نفسه.
5موكب تسليم جوائز الفائزين في الدّورة 53 للمسابقة الوطنيّة لحفظ القرآن الكريم الإثنان18 أفريل 2022 https://www.carthage.tn/?q=ar 
6حدّد دستور 2014 معنى أنّ" تونس دولة مدنيةّ بأنّها" تقوم على المواطنة، وإرادة الشعب، وعلوية القانون". وبذلك تجنّب ما يصرّ عليه البعض ومنهم الصادق بلعيد من أنّ معنى "مدنيّة"بأنها لا دينيّة .
7 بوردو جورج، الدولة، ترجمة سليم حدّاد، ط2، المؤسسة الجامعيّة للدراسات والنّشر والتّوزيع، بيروتن 1407ه/ 1987م، ص 19.
8حرب عليّ، التّأويل والحقيقة، قراءات تأويليّة في الثّقافة العربيّة، ط1، دار التّنوير للطباعة والنّشر، بيروت، 1985، ص 102.
9 " اللَّهُ يَنْصُرُ الدَّوْلَةَ الْعَادِلَةَ وَإِنْ كَانَتْ كَافِرَةً وَلَا يَنْصُرُ الدَّوْلَةَ الظَّالِمَةَ وَإِنْ كَانَتْ مُؤْمِنَةً". ابن تيميةن مجموع الفتاوى، تحقيق أنور الباز وعامر الجزّار، ط3، دار الوفاء، 2005، ج 28 ص 63.