1/ مقدمة:
يعدّ الحديث النّبوي الشّريف المصدر الثّاني من مصادر التّشريع الإسلامي، ولهذه المنزلة العظيمة التي يتبوّؤها ما زال محلّ اهتمام وعناية كبيرين من علماء المسلمين عموما، ومن المحدّثين خصوصا، حيث لم يألوا جهدا في سبيل العناية به، ولم يدّخروا وسعا في المحافظة عليه، وتمييز صحيحه من سقيمه.
ولمّا كان النّبي صلى الله عليه وسلم قد أوتي جوامع الكلم؛ فكان أفصح العرب وأملكهم لذروة البلاغة وسنامها، " فلم يسمع الناس بكلام قطّ أعمّ نفعا، ولا أقصد لفظا، ولا أعدل وزنا، ولا أجمل مذهبا، ولا أكرم مطلبا، ولا أحسن موقعا، ولا أسهل مخرجا، ولا أفصح معنى، ولا أبين في فحوى، من كلامه صلى الله عليه وسلم"(1)، كان على علماء المسلمين أن يبدوا من الاهتمام البيّن والالتزام المتعيّن بقسمي هذا الكلام المقدّس: معرفة ألفاظه ومعرفة معانيه؛ ما يصونه من الضياع، ويحفظه من الكذب، ويبين معانيه، ويمييز أصيله من دخيله. وإذا كانت شروط السند حصنا أوّلا لحديث النبيّ صلى الله عليه وسلم تمنع من نسبة المختلق المكذوب إليه، فإنّ شروط المتن تمثل درعا واقيا من تسرّب ما ليس من كلامه في كلامه، ومن جملة ما يعتمد في كشف ذلك وفضحه: السيّاق.
يفيد السّياق معاني مجيء الشّيء متتابعا، في حسن تسلسل وجودة إيراد، وفي كلّ ذلك يبرز معنى الانتظام والترابط.
ويفيد سياق النص معاني: جودة السّرد فلا حشو ولا قصور ولا تكرار، وحسن الصّياغة فلا ركاكة في اللّفظ ولا غموض ولا اضطراب، وإحكام انتظام في الصورة الكليّة فلا نشاز عنها ولا تناقض معها ولا مخالفة لها.
ويمكن لهذه المواصفات إذا طبّقت على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أن توفّر القرائن الكافيّة المطمئنة على أصالة النّص الحديثي في انتمائه إلى الكلام النبوي، وعلى أصالة معناه في انسجامه مع مضامين السياق الحضاري العام للإسلام في عقيدته وشريعته ورؤيته للوجود. أو هي تفضح زيفه وتكشف عن عدم أصالته، وتوجّه إلى اختلال معناه، ومنافرته للسياق الحضاري الإسلامي؛ فتحكم بخطإ نسبته إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم، وأنّه لا يصلح أن يكون من كلام النبوّة.
وقد اخترنا لبيان أثر السياق الخارجي - في أحد وجهين نختاره - في ردّ النّص الحديثيّ، وخطإ نسبته إلى النّبيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حديثَ الشّيخين بسنديهما عن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاء، فَإِنَّ المَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ، وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلعِ أَعْلاَهُ، فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ، وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ، فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خيرا"(2).
تندرج هذه المداخلة في مباحث المحور الأوّل: أهميّة السّياق في تحليل الخطاب وتوجيه الدّلالة.
ونسلك في بيان النموذج الحديثيّ المختار منهج الاستقراء التّحليلي للسياق الحضاري الإسلامي في مقابلة السياق الحضاري اليهودي، ثمّ نسلك نفس المنهج لسياق الرّواية عند أبي هريرة رضي الله عنه اعتمادا على قرائن دالة على ذلك، واستنادا إلى نصوص من حديث النّبيّ صلى الله عليه وسلم تؤطّر معنى حديث " اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاء خيرا..."؛ لنؤكّد حقيقة أنّ القول النّبوي الصِّرْفَ وحيٌ بالأصل من الله تعالى أو محض كلام نبويّ، لا ينزل عن صفة القداسة، ولا يفقد سمة العصمة، لتنزّهه عن الهوى المودي إلى نقائص النّفوس، ولوجوب احتوائه الحكمة المخبرة عن اجتماع الكمال الإنساني فيه – صلى الله عليه وسلم- بموجب الاصطفاء والنّبوّة. وأنّ "صحّة الحديث تقاس بعدالة ناقليه، وأن يكون كلاما يصلح أن يكون من كلام النبوة"(3).
2/ في بيان معنى السّياق الحضاري:
تتمثّل وظيفة السّياق في تعيين دواعي الكلام، لذلك قيل عنه: ما سيق الكلام لأجله(4)، وهذا يعني أنّ مجرّد اللفظ لا يكون بيانا للقصد من الكلام، وتعيين ذلك منه يحتاج إلى جانب اللّفظ معرفة السّياق أيّ الصّورة الكليّة التي يندرج تحتها نصّ الكلام فيدرك معناه، وتكشف دلالته في ارتباط اللّفظ بتلك الصورة الكليّة. وهذا يُبِين عن وجود مستويين للسياق :
الأوّل : الدّاخليّ، ونعني به السّياق اللّغوي " وهو ما يشمل تركيب النّص وألفاظه إذ هما الوعاء النحوي والبلاغي الذي وردت فيه العبارة فيفهم المعنى في إطار الأسلوب الذي اكتنف العبارة بالنّظر إلى ما قبلها وما بعدها "(5).
والثّاني: الخارجي، وله وجهان:
أحدهما: ما يخبر عنه النّص من مؤثرات تاريخيّة وسياسية واجتماعيّة ونفسيّة … فيكون هو الذي يختزنها ويصطبغ بألوانها، ويلتحف بأحوالها، ويعمل على سترها، ويجتهد في حجبها... فتلك المؤثرات تمثل السياق الخارجي الذي أنتج النّص، والرّحم الذي فيه نحت معناه ورسم ملامحه... وهو نفسه الذي يكشف ستره، ويفضح سرّه.
ولما كانت تلك المؤثرات هي جوهر الحضارة بما هي "مفهوم جامع يشمل الفكري والمادي والسلوكي والروحي من النشاط البشري على وجه العموم"(6). أمكن أن ننعت تلك المؤثرات التي أنتج الإنسان نصوصَه في إطارها بــ: السياق الحضاري، وحينئذ فإنّ المنهج في مقاربة النّصوص حضاريّا هو منهج المقاربة الحضارية، ومن "أهم خصائصها: الوصل بين النّص وسياقه التاريخي والثّقافي والحضاري العام، والوصل بين النّص وأثره و مدوّنته"، ففي هذه المقاربة يكون " النّص هو المنبع والتاريخ هو المصبّ"(7). وفيها يكون المنطلق هو منطوق النص، والبلاغ هو المسكوت عنه فيه.
ثانيهما: يمكن اختصار تعريفه بقولنا: هو قرائن السّياق الحضاري العام الدّالة على نشاز نصّ وعدم أصالته.
وبيانه: أن يرد النّص في سياق صعود حضاري عامّ لأمّة يصطدم بأفول حضاري لأخرى نقيضٍ للأوّل؛ فتدل قرائن ذلك السياق
الصّاعد على أنّ ذلك النّص بمحموله لا ينتمي إلى أفكاره المطبوعة ولا الموضوعة(8)، ولا إلى نماذجه المثاليّة. ويتبيّن بنشازه(9) عنها جميعا أنّه دخيل عليه، وأنّه تسرّب إليه في لحظة غفلة أو تساهل ثقافي.
من الطّبيعي أن ينتج عن التّماس بين السّياقين الحضاريين صراع مسلّح يطول أو يقصر، ولكنّه ينتهي حتما بأفول الحضارة النّازلة "حيث لم يكن بإمكانها أن تعلو أكثر من ذلك؛ وإنّما كان في استطاعتها أن تتوغّل حتى تصل إلى منحدر الهبوط"(10). لكن هذه الهزيمة النّكراء وذلك الأفول الحضاري المدوّي لا يعني مطلقا محو كل أثر للأمّة المنهزمة في حضارة الأمّة المنتصرة؛ فعالم الثقافة ليس عالما ساكنا بلا حراك، وإنّما له حياته وحركيّته، وله حضوره وسطوته، وله تفلّتاته وتسرّباته. ومن هنا ظهر في إرثنا الثقافي ما اصطلح على تعريفه بـ " الإسرائيليات"(11)، وامتزج به امتزاج اللحم بالدّم، وخالطه أحيانا مخالطة تغيرَ بها طعمُه وريحُه(12).
تفرض هذه النصوص الدّخيلةُ مقارَبَتها منهجيّا مقاربةً حضاريّة أيضا ليس لأنّ هذا السياق الحضاري المنتصر هو الذي أنتجها - كما في الوجه الأوّل- بل لأنّه يلفظها ويرفضها، ويكشف نشازها ويفضح دَخَلَها ودَخَنها(13).
وفي هذه المقاربة يكون السياق الحضاري هو المنبع والنّص هو المصبّ. وفيها يكون المنطلق هو جملة القرائن التاريخيّة في ذات السّياق، والبلاغ هو منطوق النص.
3/ السّياق الحضاري الإسلامي: العهد والتّحوّل بالفضل:
يقول الله تعالى:
﴿ يَٰبَنِے إِسْرَآءِيلَ اَ۟ذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ اَ۬لتِے أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّے فَضَّلْتُكُمْ عَلَي اَ۬لْعَٰلَمِينَۖ (121) وَاتَّقُواْ يَوْماٗ لَّا تَجْزِے نَفْسٌ عَن نَّفْسٖ شَيْـٔاٗ وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٞ وَلَا تَنفَعُهَا شَفَٰعَةٞ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَۖ (122) ۞ وَإِذِ اِ۪بْتَلَيٰ إِبْرَٰهِيمَ رَبُّهُۥ بِكَلِمَٰتٖ فَأَتَمَّهُنَّۖ قَالَ إِنِّے جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماٗۖ قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِےۖ قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِيَ اَ۬لظَّٰلِمِينَۖ (123)﴾ [البقرة].
يرد دعاء إبراهيم عليه السلام ربَّه تعالى - أن يجعل الإمامة في ذريّته من بعده - في سياق تذكير بني إسرائيل بنعمته سبحانه عليهم وعلى أسلافهم من قبلهم. وهذا التّذكير ورد بصيغة الأمر، فهو يفيد طلب الفعل في الحال، فليس المقصود بخطاب التّذكرة حينئذ من مضى من أسلافهم إذ لا فائدة من تذكرة الغابرين، وإنّما المخاطب بالأمر هم الذين شهدوا تنزّله من بني إسرائيل على النّبي محمّد صلى الله عليه وسلم، وفهموا معناه لإتقانهم اللّغة التي تنزّل بها، وهؤلاء هم اليهود من سكان يثرب(المدينة) وما حولها.
"والمراد بالنعمة في الآية جميع ما أنعم الله به على أولئك المخاطبين او بواسطة الإنعام على أسلافهم فإنّ النعمة على الأسلاف نعمة على الأبناء لأنّها سمعة لهم، وقدوة يقتدون بها، وبركة تعود عليهم منها، وصلاح حالهم الحاضر كان بسببها"(14)، وشرف يتوارثونه، وسَبْق يُشْهد لهم به إن أحسنوا الذكرى. فيشمل هذا جميع النعم التي أنعم الله بها على بني إسرائيل سلفهم وخلفهم، إذ إضافة النعمة إلى الله تعالى تكشف عن عظمة الإنعام بالنّظر إلى جلالة المنعم.
وتقدّم ذكر إنعام الله تعالى على بني إسرائيل وتفضيلهم على العالمين - في آيات سورة البقرة ( 121 - 123)– ذكرَ دعاء إبراهيم عليه السلام لبيان أنّ مرجع تلك النّعمة عائد إلى مضمون ذلك الدّعاء(15) ومنجرّ عنه، بل يمكن القول: إنّ جُماع معاني النّعمة قد كثّف في مصطلح الإمامة عند التّفريع؛ فالإمامة هداية وقيادة إلى الله تعالى وتقديم إلى الخير ، وتحقيق للعدل وصدّ عن الظلم وعمارة للأرض... وما سأله إبراهيم أن يكون في ذريّته إنّما هو " الإمامة بأنواعها من رسالة وملك وقدوة على حسب التهيّؤ فيهم..."(16).
كان هذا الدّعاء من إبراهيم عليه السلام إثر امتثاله أمرَ ربّه وإتقانه له والفور في إنجازه، وهو معنى " التّمام" في الآية " فأتمّهنّ"، كما كان من جملة فضله تعالى على عبده ونبيّه أن اتّخذه خليلا، ﴿... وَاتَّخَذَ اَ۬للَّهُ إِبْرَٰهِيمَ خَلِيلاٗۖ (124) ﴾[ النّساء]، كناية عن شدّة رضاه سبحانه عنه، ممّا استتبع استجابة الدعوة وتخليد الذّكر بالخير:﴿ إِنِّے جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماٗۖ﴾.
هذا العهد كما هو بيّن وصريح في الاية سيمضي في نسل إبراهيم عليه السلام على الدّوام ما بقي منهم باق على العهد نفسه، وهو القدوة والهداية التي بهما تنال "إمامة النّاس"، فهو عهد مشروط وليس مطلقا بلا قيد ولا ضوابط.
وكان من حكمة إبراهيم عليه السلام التي أوتيها من لدن الله تعالى أن كان دعاؤه منبئا عن الرّشد الذي حصل له برحمة من الله سبحانه وعظيم كرم منه.﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا إِبْرَٰهِيمَ رُشْدَهُۥ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِهِۦ عَٰلِمِينَۖ(51)﴾[الأنبياء]
فلم يكن دعاؤه عليه السلام يتجاوز حدود الأدب مع ربّه سبحانه، ولا هو متعدّ شروط الإمامة نفسها – من قدوة وهداية- فلذلك قال في دعائه " ومن ذرّيتي" ولم يقل [وذرّيتي] لأنّه علم أنّ "حكمة الله تعالى من هذا لم تجر بأن يكون جميع نسل أحد ممّن يصلحون لأن يقتدى بهم، فلم يسأل ما هو مستحيل عادة، لأنّ سؤال ذلك ليس من آداب الدّعاء ... ولم يَقْصُرِ السّؤال على عقبه ولا على فرع من عقبه"(17).
إذن هناك وعد من الله تعالى عبّر عنه بـ "العهد" لإفادة استمراره، والالتزام منه – سبحانه- به، عهد الإمامة يصرّفها في ذريّة إبراهيم "العادلين" لا " الظالمين"، ويجعلها فيهم ما داموا كذلك. ومقتضى "الجعل" في الإمامة أن يكشف عن طرفي "العهد"، فهو جعل يتعهد الله تعالى بإدامته كَرَمًا منه – لا وجوبا وإلزاما- وتفضّلا على عباده الصالحين من ذريّة إبراهيم عليه السلام، وهو أيضا "جعل" يناله من يناله منهم عند الالتزام بموجبات هذا العطاء الرّباني، وهو أن يكونوا هداة للناس وقدوات لهم.
لقد آتى الله تعالى إبراهيم رشده، فكان راجح العقل رصينا، بعيدا عن العدوان منتصرا للحقّ، مؤمنا توّابا، رؤوفا رقيق القلب، منقادا لأمر ربّه، رجّاعا إلى طاعته... ﴿إِنَّ إِبْرَٰهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّٰهٞ مُّنِيبٞۖ (74) ﴾[هود ]. وكان رسولا وإماما عادلا فيمن يسوس، حبا أهله بعطفه، وحفّهم بعنايته، وشملهم بدعائه، وهو وإن خصّ ذريّة إسماعيل عليه السلام بقوله:﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاٗ مِّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ اُ۬لْكِتَٰبَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْۖ إِنَّكَ أَنتَ اَ۬لْعَزِيزُ اُ۬لْحَكِيمُۖ (128) ﴾[البقرة ]، فذلك تعبير منه عن عطف أبويّ خاص وعميق تجاه ابنه البكر إسماعيل، الذي قضى الله تعالى بإسكانه وأمّه مكّة عند بيته الحرام بواد غير ذي زرع، لحكمة ستنكشّف عبر الزمان.
وكما كان إبراهيم عادلا في الدّعاء لذريّته من ابنيه إسماعيل وإسحاق عليهما السلام، كان الله تعالى مجيبا له بسعة جوده وعظيم كرمه ومنتهى عدله، فقدّم سبحانه في الفضل ذريّة إسحاق وحباهم برحمته وفائق عطائه، فتواصلت فيهم النبوّة ردحا طويلا من الزّمن، وعرف بنو إسرائيل عشرات الأنبياء بداية من يعقوب [إسرائيل] واختتاما بعيسى ابن مريم عليه السلام. وكان مجال هذه الحركة النّبويّة الأرض المقدّسة التي باركها تعالى وبارك ما حولها بهذا العدد الوفير من الأنبياء والمرسلين. وأنزل إليهم ما يهتدون به فقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا اَ۬لتَّوْرَيٰةَ فِيهَا هُديٗ وَنُورٞ يَحْكُمُ بِهَا اَ۬لنَّبِيٓـُٔونَ اَ۬لذِينَ أَسْلَمُواْ لِلذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّٰنِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اَ۟سْتُحْفِظُواْ مِن كِتَٰبِ اِ۬للَّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَآءَۖ ﴾[المائدة 46 ].
وقضت سنّة الله تعالى أن يتحوّل الفضل إلى بني إسماعيل استجابة لتلك الدّعوة المخصوصة التي أطلقها إبراهيم عليه السلام في صحراء العرب لمّا كان بصدد رفع القواعد من البيت الحرام بمعيّة ابنه الحليم بمكّة المكرّمة، فكانت الخاتميّة النّبويّة في ذريّته ممثّلة في النّبي محمّد صلى الله عليه وسلم، كما كان من عظيم جوده تعالى وتمام عدله أنّه لمّا قضى بتعدّد الأنبياء في بني إسرائيل في مقابل بعثة نبيّ واحد من بني إسماعيل، قضى أن يوكل حفظ التوراة إلى الأحبار والرّبانيّين، فلمّا "اَ۟سْتُحْفِظُواْ" عليها ضيّعوها تحريفا وتبديلا، في حين تكفّل سبحانه بحفظ القرآن الكريم :﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا اَ۬لذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَۖ (9)﴾[الحجر ]، واقتصرت دعوة بني إسرائيل على أنفسهم في حين شقّت الدّعوة المحمّديّة طريقها إلى الخلق كافّة منذ كان بمكّة وبأمر الله تعالى:﴿ قُلْ يَٰأَيُّهَا اَ۬لنَّاسُ إِنِّے رَسُولُ اُ۬للَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً اِ۬لذِے لَهُۥ مُلْكُ اُ۬لسَّمَٰوَٰتِ وَالْأَرْضِۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِۦ وَيُمِيتُۖ فَـَٔامِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ اِ۬لنَّبِےٓءِ اِ۬لْأُمِّيِّ اِ۬لذِے يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَٰتِهِۦ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَۖ (158)﴾[الأعراف]. ووفّى الله تعالى بعهده إلى إبراهيم عليه السّلام بأن جعل الإمامة – بما هي قدوة وهداية- في كافّة ذريّته من ابنيه، فأجاب دعوته وتمّت كلمة الله تعالى صدقا وعدلا وهو العزيز الحكيم.
لم يكن انتقال " الإمامة/ النبوة" أمرا مفاجئا لبني إسرائيل من سكان يثرب وما حولها؛ فقد كان عهدا " أخذ على أسلافهم بواسطة رسلهم وأنبيائهم قال تعالى:﴿ وَإِذْ أَخَذَ اَ۬للَّهُ مِيثَٰقَ اَ۬لنَّبِيٓـِٕۧنَ لَمَا ءَاتَيْنَٰكُم مِّن كِتَٰبٖ وَحِكْمَةٖ ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٞ مُّصَدِّقٞ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِۦ وَلَتَنصُرُنَّهُۥۖ قَالَ ءَٰا۬قْرَرْتُمْ وَأَخَذتُّمْ عَلَيٰ ذَٰلِكُمْ إِصْرِےۖ قَالُواْ أَقْرَرْنَاۖ قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ اَ۬لشَّٰهِدِينَۖ (80) ﴾[آل عمران] وإذ قد كان المخاطبون بالآية قد تلقّوا الشّريعة من أسلافهم بما فيها من عهد فقد كان العهد لازما لهم وكان الوفاء متعيّنا عليهم لأنّهم الذين جاء فيهم الرّسول الموعود به"(18) .
ولمّا كان يهود يثرب تخصيصا هم الشّهود على تحوّل الفضل الإلهي في ذريّة إبراهيم عليه السلام، فإنّ الخطاب القرآني توجّه إليهم ثانية لا ليذكّرهم بالعهد هذه المرّة كما في قوله تعالى:﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِے أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّٰيَ فَارْهَبُونِۖ (39)﴾[ البقرة] بل ليخبرهم "رسميّا " بانتقال الإمامة/النبوّة – نهائيّا- من بني إسرائيل إلى العرب، وبتحوّل الفضل الإلهي من ذريّة إسحاق إلى ذريّة إسماعيل عليهما السلام، وباختصاص المسلمين برحمة الله تعالى ونعمته.
لقد ظنّوا أنّ كفرهم بهذه الحقيقة ونبذهم ما في التّوراة من دلائل صدق هذا الرّسول كاف لطمس واقع الأمور، وأنّ إنكارهم للوعد بظهوره حاسم في تغييب بعثته ونفي رسالته، ولم يكن ذلك منهم إلّا تماديا في الغيّ ومدافعة الأمر بالباطل خداعا للنّاس وتعمية على النّفس.
أمّا الحقيقة العظمى فهي:
﴿مَّا يَوَدُّ اُ۬لذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ اِ۬لْكِتَٰبِ وَلَا اَ۬لْمُشْرِكِينَ أَنْ يُّنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٖ مِّن رَّبِّكُمْۖ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِۦ مَنْ يَّشَآءُۖ وَاللَّهُ ذُو اُ۬لْفَضْلِ اِ۬لْعَظِيمِۖ (104) ۞مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٖ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَاۖ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اَ۬للَّهَ عَلَيٰ كُلِّ شَےْءٖ قَدِيرٌۖ (105) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اَ۬للَّهَ لَهُۥ مُلْكُ اُ۬لسَّمَٰوَٰتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اِ۬للَّهِ مِنْ وَّلِيّٖ وَلَا نَصِيرٍۖ (106) ﴾[البقرة].
تقع آية الانتقال بالفضل في موقع مفصليّ بين آيات سورة البقرة وفي إطار السّرد التاريخي للمرحلة الإسرائيليّة، وهي إذ تثوي بينها فإنّها تأتي إعلانا نهائيّا لها، ولذا فإنّ ما يذكره المفسّرون سببا لنزولها(19) لا صلة له حقيقة بها، وهو بعيد عن منطقها وسياقها المعنويّ العميق، فآية نسخ الفضل ترد بين قوله تعالى:
﴿ مَّا يَوَدُّ اُ۬لذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ اِ۬لْكِتَٰبِ وَلَا اَ۬لْمُشْرِكِينَ أَنْ يُّنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٖ مِّن رَّبِّكُمْۖ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِۦ مَنْ يَّشَآءُۖ وَاللَّهُ ذُو اُ۬لْفَضْلِ اِ۬لْعَظِيمِۖ (104)﴾.
وقوله تعالى:﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اَ۬للَّهَ لَهُۥ مُلْكُ اُ۬لسَّمَٰوَٰتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اِ۬للَّهِ مِنْ وَّلِيّٖ وَلَا نَصِيرٍۖ (106)﴾.
فما لا يودّه الذين كفروا من أهل الكتاب – أسوة بالمشركين-، ولا يتمنّون تحقّقه – وإن اختلفت الغاية- هو اختصاص الله تعالى بني إسماعيل بالرحمة والفضل، حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبيّن لهم الحقّ، وكفرا بالعهد الذي قطعه سبحانه لأبراهيم عليه السلام، فكشف الله تعالى لهم أنّه" أراد ذلك وإن كانوا هم لا يريدونه"(20)، وأنّ المشيئة مرجعها إليه سبحانه لا لأحد سواه.
ثمّ أُعْقِبت آية التفضيل بتقرير أمر بديهي تغفل عنه العقول تبعا للرّتابة والاعتياد، وهو :" أنّ الله له ملك السماوات والأرض، وأنّ الذي يكون كذلك؛ لا جرم أن يكون قديرا على كلّ شيء"(21)، فلن يعجزه حينئذ نسخ فضل قوم بفضل قوم آخرين، وبذلك لا يدع الله مظانّا مفتوحة للشكّ في حقيقة هذا التّفضيل، مؤكّدا للمخاطبين من المؤمنين وأهل الكتاب والمشركين أنّ يتولّى هذه التّجربة وليّا ونصيرا.
وعليه فإنّ لفظ " النّسخ" في قوله تعالى:﴿ مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنسِهَا ...﴾ لا يفيد ما اصطلح عليه من معناه أنّه "رفع الحكم الشّرعيّ بدليل شرعي"، إذ لا يوجد هنا حكم شرعيّ توجّه إليه الخطاب بالنّسخ والإزالة، وإنّما الموجود هو تبديل فضل بفضل واختصاص قوم بالخير والرّحمة دون آخرين، يؤكّد هذا أنّ معنى " الآية" اصطلاحا غير منحصر في الحكم الشّرعي إذ هو يتعدّاه إلى الموعظة والخبر وضرب المثل ونحو ذلك, ولكي لا يساور المسلمين شكّ في إرادة الله تعالى واختياره وقدرته حذّرهم استباقيّا من تطرّق الشّكّ المفضي إلى الكفر وجحود النّعمة كما هو شأن بني إسرائيل فقال: ﴿ أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْـَٔلُواْ رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَيٰ مِن قَبْلُۖ وَمَنْ يَّتَبَدَّلِ اِ۬لْكُفْرَ بِالْإِيمَٰنِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ اَ۬لسَّبِيلِۖ (107)﴾[البقرة ].
ووجّههم إلى العفو والصّفح عن كثير من أهل الكتاب فيما يبدون لهم من حسد وتمنّي عودتهم إلى الكفر.
﴿ وَدَّ كَثِيرٞ مِّنْ أَهْلِ اِ۬لْكِتَٰبِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّنۢ بَعْدِ إِيمَٰنِكُمْ كُفَّاراًۖ حَسَداٗ مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّنۢ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ اُ۬لْحَقُّۖ فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ حَتَّيٰ يَأْتِيَ اَ۬للَّهُ بِأَمْرِهِۦۖ إِنَّ اَ۬للَّهَ عَلَيٰ كُلِّ شَےْءٖ قَدِيرٞۖ (108)﴾[البقرة].
مبيّنا سبحانه أنّه ليس عفوا مطلقا ولا صفحا بلا حدّ زمنيّ، وإنّما هو إلى حين، ... حينٍ غيرِ معلوم على وجه الضبط والتّفصيل عند المخاطبين من المسلمين ولكنّه أمر أبداه لهم ربّهم ليعلموا أنّه وعد حقّ منه سبحانه يقدّره بعلمه، ويجريه وفق حكمته، طبقا لسنن الاجتماع البشري، وأنّه آت لا ريب فيه، فيه يظهر بعض فضل الله تعالى على هذه الأمّة كما ظهر بعضه الآخر عليها فيما مضى، وفيه يوقن أهل الكتاب – وبنو إسرائيل خاصة - وبشكل نهائيّ أنّ الفضل قد حوّل عنهم إلى غير رجعة، وأنّه تعالى قد خصّ به غيرهم، وأنّ كلّ دعاوى التّميز والاستعلاء لم تكن سوى غاشية قد انقشعت بلا عودة ونهائيّا. ﴿لِّئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ اُ۬لْكِتَٰبِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَيٰ شَےْءٖ مِّن فَضْلِ اِ۬للَّهِ وَأَنَّ اَ۬لْفَضْلَ بِيَدِ اِ۬للَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَّشَآءُۖ وَاللَّهُ ذُو اُ۬لْفَضْلِ اِ۬لْعَظِيمِۖ (28)﴾[الحديد ].
إنّ هذا التّحوّل الحضاري الذي نعرض ملامحه العامّة ليس بدعة توهّميّة من بنات الخيال، ولا هو حديث خرافة، ولا هو فكرة رغبويّة حالمة... إنّه حقيقة إيمانيّة وعقيدة دينيّة حملها المسلمون الأول تصديقا وعملا فاستووا على عرش العالم القديم قادة وسادة، ودانت لهم الأرض حين كان علوّهم فيها بالحقّ: هداية للنّاس وقيادة إلى الله تعالى وتقديما إلى الخير ، وتحقيقا للعدل وصدّا عن الظلم وعمارة للأرض...حين خرجت الأمّة بخيريّتها إلى العالم ولم تكن أمّة قابعة في الجغرافيا ولا في التّاريخ... ولم يكن ذلك بلا ضريبة دم تدفع؛ وأموال في هذا السبيل تنفق؛ وجهود على هذا الطّريق تبذل...
4/ معالم السّياق الحضاري الإسلامي:
إنّ قوام هذا السياق كتاب الله تعالى الناطق بتصديق ما قبله من الكتب كونها من الله تعالى (فقط)، وأنّه مهيمن عليها هيمنة مطلقة: عقيدة وشريعة وقيما ونظرة للإنسان وللوجود. أمّا معالمه فهي ضوابط تحاكم المأثور المنسوب إلى النّبي صلى الله عليه وسلم، المروي عنه بالإسناد الصحيح(22) ، والمنطوي على مشكل مضموني يصادمها.
من المؤكّد أنّ المسلمين يعلمون من دين الله تعالى بالضّرورة العقليّة والبداهة الفطريّة حجيّة السّنة النّبويّة، وهم يدركون بموجب مقام النّبوّة وما أُوتيه صلى الله عليه وسلم من علم الكتاب والحكمة انتفاء نطقه عن الهوى سواء في ذلك أكان القرآن أو غيره من الإرشاد النبويّ.
وهذا يعني أنّه لمّا كان - صلى الله عليه وسلم- آمرا وناهيا، هاديا ومعلّما، بشيرا ونذيرا، داعيا إلى الله تعالى بإذنه وسراجا منيرا، فإنّه بالضرورة كان متكلّما وفاعلا، وكان مثالا يحتذى وأسوة حسنة بها يقتدى، وهو في كلّ ذلك لا يخرج عن الحقّ ولا يميل عن الصّواب والسّداد أي لا يضادّ فعله وقوله مقتضيات النّبوّة والحكمة التي بعث معلّما النّاس إيّاها, وهو صريح قوله تعالى:﴿هُوَ اَ۬لذِے بَعَثَ فِے اِ۬لْأُمِّيِّـۧنَ رَسُولاٗ مِّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ اُ۬لْكِتَٰبَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِے ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ﴾ [الجمعة 2] .
وعليه فإنّ ما يُنسب إليه من حديث موضُوعُه: ذاته - صلى الله عليه وسلم- من حيث أنّه نبيّ، لايمكن عقلا ولا شرعا أن يتطرّق إليه هوى، أو ينزل عن عتبات الحكمة، أو يضادّ الحقّ. ومقتضى هذا القول أنّ الحديث الذي ينزل عن مواصفات الحقّ والحكمة، أويتعارض مع مقتضيات العصمة، أويتنافى والخلق العظيم، أويضادّ شرعة التّخفيف والرّحمة، هو حديث لا تصحّ نسبته إليه - صلى الله عليه وسلم- لأنّه يقصر عن درجة النّبوّة وقد ذكروا في علامات الصّحيح " أن يكون كلاما يصلح أن يكون من كلام النّبوّة"، وعليه فإنّ التّعلّل بأنّ جلالة قدر فلان من الرّواة أو الحفّاظ تمنع من ردّ حديثه أو تضعيف خبره إنّما هو تعلّل أخرق ورأي أحمق لأنّ جلالة قدر النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أولى بالحفظ والوقار، والمقام القدسيّ للنّبوّة أحقّ بالإجلال والاعتبار(23).
وبذلك نشدّد على أنّ ردّ حديث ما لا يعني الرّدّ عليه - صلى الله عليه وسلم- لأنّ قوله صلى الله عليه وسلم موجب للعلم باعتبار أصله لكن لمّا فصلتنا عنه القرون الزّمنيّة الطّوال، وجسرنا تلك الفجوة بيننا وبينه بالنّقلة عنه إلينا، كانت الشّبهة في النّقل عنه واردة(24) إذْ عارِضُ الغلط والنّسيان في الرّاوي واقع لا محالة،ودرجات الرّواة لا تتساوى في العلم، و"لا نهاية لمواقع إمكان الغلطات في الرّوايات"(25) فضلا على أنّ مسالك التّأويل تقوى في روايات الثّقات، وتقوى فيها غلبات الظّنون وهذا لا ينفي وجود الصّحيح السّليم الصّريح.
ومعالم السّياق الحضاري الإسلامي يمكن تحديدها بجملة "المبادئ العظمى" التي تؤسّس لقيامة الإسلام وعلوّه في الأرض بالحقّ، وهو ما يفيده مفهوم المخالفة في قوله تعالى :﴿تِلْكَ اَ۬لدَّارُ اُ۬لْأٓخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاٗ فِے اِ۬لْأَرْضِ وَلَا فَسَاداٗۖ وَالْعَٰقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَۖ (83) ﴾[القصص].
ونخصّ بالذكر منها نماذج تلمزها روايات تنسب إلى النّبيّ صلّى الله عليه وسلم كلّا أو جزءا ( بموجب الإدراج)ن ونقاربها منهجيّا مقاربةً حضاريّة عبر محاكمتها للسياق الحضاري لنبيّن مصادمتها له، ونشازها عن أفكاره المطبوعة الأصيلة، فيكون السياق الحضاري هو المنبع والنّص هو المصبّ. وفيها يكون المنطلق هو جملة القرائن التاريخيّة في السّياق ذاته، والبلاغ هو منطوق النص. منها : التّوحيد الخالص- شرعة التّخفيف والرّحمة(26) – الأميّة- العزّة الإسلاميّة – الكرامة الإسلامية...وليس ها هنا محلّ تفصيلها كلّها ولكن نختار منها النماذج الآتية :
أ_ التوحيد الخالص: المجرّد من كلّ تشبيه وتجسيم، أو شبهة توقع في ذلك، والمنزّه عن كلّ عقليّة إحيائيّة(27)، لأنّ الله تعالى بعد ذكره لآية نسخ الفضل﴿ مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنسِهَا ...﴾ وأنّ مرجع التّمكين من الفضل بيده لأنّه مالك العالم بأسره ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اَ۬للَّهَ لَهُۥ مُلْكُ اُ۬لسَّمَٰوَٰتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اِ۬للَّهِ مِنْ وَّلِيّٖ وَلَا نَصِيرٍۖ (106) ﴾. حذّر سبحانه – مباشرة -من سلوك طريقة بني إسرائيل في مقاربة الإيمان به تعالى فقال:﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْـَٔلُواْ رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَيٰ مِن قَبْلُۖ وَمَنْ يَّتَبَدَّلِ اِ۬لْكُفْرَ بِالْإِيمَٰنِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ اَ۬لسَّبِيلِۖ (107) وَدَّ كَثِيرٞ مِّنْ أَهْلِ اِ۬لْكِتَٰبِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّنۢ بَعْدِ إِيمَٰنِكُمْ كُفَّاراًۖ حَسَداٗ مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّنۢ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ اُ۬لْحَقُّۖ فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ حَتَّيٰ يَأْتِيَ اَ۬للَّهُ بِأَمْرِهِۦۖ إِنَّ اَ۬للَّهَ عَلَيٰ كُلِّ شَےْءٖ قَدِيرٞۖ (108) ﴾[ البقرة ] . ذلك أنّ ما سألوه موسى هو قولهم الذي حذّرنا الله منه فقال: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَٰمُوسَيٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّيٰ نَرَي اَ۬للَّهَ جَهْرَةٗ فَأَخَذَتْكُمُ اُ۬لصَّٰعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَۖ (54) ﴾[البقرة ].
وحديث الشّيخين بسنديهما الأوّل ( الإمام البخاري) : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
والثّاني ( الإمام مسلم):حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا بِهِ أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا، وَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
" خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ، طُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا، فَلَمَّا خَلَقَهُ قَالَ: اذْهَبْ فَسَلِّمْ عَلَى أُولَئِكَ، النَّفَرِ مِنَ المَلاَئِكَةِ، جُلُوسٌ، فَاسْتَمِعْ مَا يُحَيُّونَكَ، فَإِنَّهَا تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِكَ، فَقَالَ: السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ، فَقَالُوا: السَّلاَمُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، فَزَادُوهُ: وَرَحْمَةُ اللَّهِ، فَكُلُّ مَنْ يَدْخُلُ الجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ آدَمَ، فَلَمْ يَزَلِ الخَلْقُ يَنْقُصُ بَعْدُ حَتَّى الآنَ ". (اللفظ للبخاري).
وصيغة سند الإمام مسلم هي نفسها الصيغة الواردة في صحيفة همّام بن منبّه(28) .
و القاعدة التي استنتجها السيد محمّد رشيد رضا هي: إذا ثبت أن أبا هريرة مثلاً كان يروي عن كعب الأحبار وأن الكثير من أحاديثه مراسيل، فالواجب أن يُتروى في كل غريب لم يصرح فيه بالسماع من النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا كان من الإسرائيليات أو ما في معناها احتمل أن يكون قد رواه عن كعب وكان هذا الاحتمال علّة مانعة من ترجيح إسناد كلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم، يوقع في الإشكال(29).
وقال: وأنا لا آمن أن يكون بعض أحاديث أبي هريرة المرفوعة الغريبة المتون التي لم يصرح فيها بالسماع مما رواه عن كعب الأحبار فقد صرحوا أنه روى عنه(30).
وفي نصّ هذه الرواية مشكلات:
الأولى : أنّ هذا المتن تفرّد بسنده أبو هريرة فلم يروه أحد من الصحابة غيره. وهو في كلّ ذلك ليس فيه تصريح بالسماع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الثّانية: أنّ بعض متنه مطابق لمتن التّوراة فقد جاء في سفر التّكوين: 1: 26 و ثمّ قَالَ اللهُ لنصنع الْإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَمثالنَا فَيَتَسَلَّطُ عَلَى سَمَكِ الْبَحْرِ وَعَلَى طَيْرِ السَّمَاءِ وعلى الأرض(...) فَخَلَقَ اللهُ الْإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ، عَلَى صُورَةِ اللهِ خَلَقَهُ، ذَكَرًا وَأُنْثَى خلقهم(31).
وإذا كانت رواية الإسرائيليات عن مثل كعب الأحبار ووهب بن منبّه واجبة الوقف عن تصديقها، فإنّ النّقل المباشر من نصوص التوراة أولى بالمنع وأحقّ بالرّدّ، وهو من قبيل اتّباع الملّة، وأعلى درجات اتباع الملّة اتباع نصوصها، والله تعالى يقول:﴿ وَلَن تَرْضَيٰ عَنكَ اَ۬لْيَهُودُ وَلَا اَ۬لنَّصَٰرَيٰ حَتَّيٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْۖ قُلْ إِنَّ هُدَي اَ۬للَّهِ هُوَ اَ۬لْهُدَيٰۖ وَلَئِنِ اِ۪تَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُم بَعْدَ اَ۬لذِے جَآءَكَ مِنَ اَ۬لْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اَ۬للَّهِ مِنْ وَّلِيّٖ وَلَا نَصِيرٍۖ (119) ﴾[ البقرة] . والملّة: الدّين والشريعة(...) مشتقّة من أملّ الكتاب فسمّيت الشريعة ملّةً (...) وهدى الله : القرآن(32). وقيل: وَالْمِلَّةُ: اسْمٌ لِمَا شَرَعَهُ اللَّهُ لِعِبَادِهِ فِي كُتُبِهِ وَعَلَى أَلْسِنَةِ رُسُلِهِ(33).
ولا يقال :" قد علم الجنّ والإنس أنّ في الكتاب الموجود بأيدي أهل الكتاب المسمّى بالتوراة ما هو حقّ وما هو باطل، وأنّ في القرآن كثيرا من الحقّ الذي في التوراة، وكذلك في السّنة، فإذا كان هذا منه كان ماذا؟(34)
فإنّه يقال: تكون مساواة بين قول الله تعالى(القرآن) وقول البشر (التوراة) لأنّنا لا نعرف فيها (وهي المحرّفة) الفاصل بين قول الله عزّ وجلّ وقول الأحبار والربّيين (وقد دوّنت قرونا بعد موسى عليه السلام). وفيها مساواة بين المساق القرآني العالي الرّفيع الذي لا يفهم منه التجسيم في مثل قوله تعالى:﴿ كُلُّ شَےْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُۥۖ ﴾[القصص 88 ]، وبين العبارة الفجّة في التوراة: لنصنع الْإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَمثالنَا...فَخَلَقَ اللهُ الْإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ، عَلَى صُورَةِ اللهِ خَلَقَهُ. وقد أسرف بعضهم فحذف الضمير من عبارة ( على صورته) وأبدله بعبارة (على صورة الرحمن) فاستحكم التّجسيم(35) .
الثّالثة: قوله: طوله ستّون ذراعا(...)فَلَمْ يَزَلِ الخَلْقُ يَنْقُصُ بَعْدُ حَتَّى الآنَ ": أي أنّ طوله يفوق ثلاثين مترا- بتقدير الذّراع المعهود(36)، ولا يوجد من آثار الحفريات ما يدلّ على أنّ البشر قديما كانوا بمثل هذا الطّول والضخامة، بل إنّ الدينصورات لم تكن بمثل ذلك الطّول والحجم. وقد استشكل ابن حجر ذلك فقال:" قَوْلُهُ " فَلَمْ يَزَلِ الْخَلْقُ يَنْقُصُ حَتَّى الْآنَ"، أَيْ: أَنَّ كُلَّ قَرْنٍ يَكُونُ نَشَأْتُهُ فِي الطُّولِ أَقْصَرَ مِنَ الْقَرْنِ الَّذِي قَبْلَهُ فَانْتَهَى تَنَاقُصُ الطُّولِ إِلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ وَاسْتَقَرَّ الْأَمْرُ على ذَلِك. وَقَالَ ابن التِّينِ: قَوْلُهُ:" فَلَمْ يَزَلِ الْخَلْقُ يَنْقُصُ"، أَيْ: كَمَا يَزِيدُ الشَّخْصُ شَيْئًا فَشَيْئًا، وَلَا يَتَبَيَّنُ ذَلِكَ فِيمَا بَيْنَ السَّاعَتَيْنِ وَلَا الْيَوْمَيْنِ حَتَّى إِذَا كَثُرَتِ الْأَيَّامُ تَبَيَّنَ، فَكَذَلِكَ هَذَا الْحُكْمُ فِي النَّقْصِ".
قال ابن حجر: وَيَشْكُلُ عَلَى هَذَا مَا يُوجَدُ الْآنَ مِنْ آثَارِ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ كَدِيَارِ ثَمُودَ فَإِنَّ مَسَاكِنَهُمْ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَامَاتِهِمْ لَمْ تَكُنْ مُفْرِطَةَ الطُّولِ عَلَى حَسَبِ مَا يَقْتَضِيهِ التَّرْتِيبُ السَّابِقُ وَلَا شَكَّ أَنَّ عَهْدَهُمْ قَدِيمٌ، وَأَنَّ الزَّمَانَ الَّذِي بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ آدَمَ دُونَ الزَّمَانِ الَّذِي بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَوَّلِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَلَمْ يَظْهَرْ لِي إِلَى الْآنَ مَا يُزِيلُ هَذَا الْإِشْكَالِ"(37).
ب – الأميّة: قيمة أساسيّة تميّز النبوّة المحمّديّة وأتباعها، ولذلك فهي تعدّ اصطلاحا قرآنيا خاصا مفعما بالشّرف الرّفيع في الانتماء لأمّة الأمّيين (38)، وكلّ شرح له يتنكّب عن حقيقة هذا الاصطلاح هو انحراف به عن معناه القرآني الأصيل وابتعاد عن خصوصيّةٍ في السّياق الحضاري الإسلامي.
ورد مصطلح الأمّي في قوله تعالى: ﴿ اَ۬لذِينَ يَتَّبِعُونَ اَ۬لرَّسُولَ اَ۬لنَّبِےٓءَ اَ۬لْأُمِّيَّ اَ۬لذِے يَجِدُونَهُۥ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِے اِ۬لتَّوْرَيٰةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَيٰهُمْ عَنِ اِ۬لْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ اُ۬لطَّيِّبَٰتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ اُ۬لْخَبَٰٓئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَٰلَ اَ۬لتِے كَانَتْ عَلَيْهِمْۖ فَالذِينَ ءَامَنُواْ بِهِۦ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ اُ۬لنُّورَ اَ۬لذِے أُنزِلَ مَعَهُۥ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ اُ۬لْمُفْلِحُونَۖ (157) ﴾[الأعراف].
فنعت الأمّيّ - الذي تكرّر في هاتين الآيتين المتواليتين دون آي القرآن المجيد- ذو دلالات عميقة تتعلّق بخصائص النّبوّة المحمّدية، وبحالة تحوّل الفضل الإلهي والانتقال الحضاري من بني إسرائيل إلى الأمّة المحمديّة، لذلك كانت أمّيته عليه السلام أدقُّ وصْف، وأعْظم لقب اشتهر بِه النبِي صَلَّى اَللَّه عليْه وَسلَّم، وهي تعني اِسْتقْلاله في المعارف الدّينيّة عن كُتُب أَهْل الكتَاب كافّة لِأَنه كان أُمِّيًّا عليْه السَّلَام ولم يَكُن كِتابِيًّا، وهذا معنى قوله تَعالَى: ﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُواْ مِن قَبْلِهِۦ مِن كِتَٰبٖ وَلَا تَخُطُّهُۥ بِيَمِينِكَۖ إِذاٗ لَّارْتَابَ اَ۬لْمُبْطِلُونَۖ (48)﴾[ العنكبوت].
والنّبيّ الأميّ هو الذي لا ينتظم في سلسلة أنبياء بني إسرائيل فلا يأتي من الفرع الإسحاقي وإنّما ينحدر من الفرع الإسماعيلي(39) مصداقا لتحوّل الفضل عن بني إسرائيل واستجابة من الله تعالى لدعاء إبراهيم عليه السلام، ووفاء منه سبحانه بعهده له ﴿وَمَنْ أَوْفَيٰ بِعَهْدِهِۦ مِنَ اَ۬للَّهِۖ ﴾[التوبة].
والأمّيّون هم الذين لم يعرفوا كتابا سماويا قبل القرآن الكريم، ولا نبيّا قبل النّبيّ محمّد صلى الله عليه وسلم، وهذا المعنى الدّقيق عبّر عنه نصّ قديم يعود إلى زمن النّبي صلى الله عليه وسلم، فيه يُبِين الصّحابيّ عن معنى الأميّة، قال :"وَكَانَ النَّاسُ أُمِّيِّين لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ نَبِيٌّ قَبْلَهُ "(40).
وقد قارب أبو زكرياء الفرّاء (ت 207 هـ ) - وهو من علماء العربية المعروفين- المعنى فذكر أنّ الأميّين "هم العرب الذين لم يكن لهم كتاب"(41). ويقابل ذلك في القرآن "أهل الكتاب" وهم اليهود والنصارى(42). وقال الرّشاطي( ت 542 ه): "أمّةٌ أُمِّيَّة " لم تأخذ عن كتب الأمم قبلها، إنما أخذته عما جاء به الوحي من الله(43).
وعليه فلفظة "الأميّة" "من الألفاظ التي ولدت في الإسلام وإن لم تكن عربيّة خالصة"(44)، وهو اصطلاح قرآنيّ ذو محمول إيجابيّ لأنّه وصف مدح، ولكنّ يهود يثرب/ المدينة وسموه بوسم سلبي بالنّظر إلى معناه الأصيل، فأمسكوا بحالة التّمايز التي ضبطها عن أهل الكتاب فقلبوه إلى نعت ذمّ. وبما أنّ وصف الأميّ ورد في سورة الأعراف المكيّة نزولا(45) فلا نشكّ أنّ هذا الاصطلاح وصل إلى المدينة مع أصداء البعثة المحمّديّة قبل هجرة النّبي صلى الله عليه وسلم إليها، وأنّ صلات "استخباراتية" بين اليهود وبين مشركي مكّة كانت قد نسجت منذ شيوع خبرها، وأنّ اليهود مذ تبيّنوا أنّه الرسول الحقّ الذي كانوا يستفتحون به على الذين كفروا انخرطوا في عداوته(46).
فأوّل من رآه داخلا يثرب رجل من اليهود – وكان في نخل له- فصرخ بأعلى صوته:" يا بنى قيلة هذا جدّكم قد جاء"(47). ولم يكن أحد منهم (اليهود) ينتظر قدومه مع سائر أهلها، ولا هو يرغب في ذلك. ونسبته إلى بني قيلة (الأوس والخزرج) : هذا جدّكم – أي حظّكم-، يدلّ ومنذ اللّقاء الأوّل به صلى الله عليه وسلم على ذلك الموقف المنكر لنبوّته.
ودليلهم على هذا الإنكار أنّه عليه السّلام لا ينخرط في سلسلة أنبياء بني إسرائيل، وعليه فهم لا يعترفون به نبيّا حقّا، ولهذا لمّا قصد النّبي صلى الله عليه وسلم ابن صيّاد سأله:" أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ الأُمِّيِّينَ"(48). أي غير المنحدر من الفرع الإسحاقي – كما مرّ سابقا-، وهو هنا نعت ذمّ وقدح لا نعت مدح لأنّ اليهود أطلقوا على كلّ من هو غير يهودي نعت الغريب، على عادتهم حتى هذا اليوم في نعت الغرباء عنهم بألفاظ خاصة مثل "جوي" "Goy" للواحد، و "جوييم" "Goyim" للجمع؛ لتمييزهم عن أنفسهم، باعتبارهم الشّعب المقدّس "عم قادوش"(49)، "شعب الله المختار" المؤمن بإله إسرائيل(50).
وفيه معنى آخر : أنّ الأميّ والغريب والأجنبي أي: "الجوييم"- عندهم- غير محميّ بشريعة موسى عليه السلام، لأنّه يقع خارج دائرة القداسة (51)- كما يدّعون كذبا على الله تعالى(52).
وهو ما فضحه القرآن الكريم في قوله تعالى:﴿وَمِنْ أَهْلِ اِ۬لْكِتَٰبِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٖ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَۖ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٖ لَّا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِماٗۖ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِے اِ۬لْأُمِّيِّۧنَ سَبِيلٞ وَيَقُولُونَ عَلَي اَ۬للَّهِ اِ۬لْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَۖ (74)﴾[آل عمران ].
وبناء عليه فلفطة "الأميّة" في معناها الاصطلاحي لا علاقة لها بعدم معرفة القراءة والكتابة والحساب- كما هو المعنى المتداول المعروف-. وحديث الشّيخين عن سَعِيد بْن عَمْرٍو، أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ، لاَ نَكْتُبُ وَلاَ نَحْسُبُ، الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا" يَعْنِي مَرَّةً تِسْعَةً وَعِشْرِينَ، وَمَرَّةً ثَلاَثِينَ. حديث صحيح الإسناد، وعبارة "لاَ نَكْتُبُ وَلاَ نَحْسُبُ" مدرجة فيه شرحا للفظة: أميّة، ومعنى الأميّة فيه: أنّنا نصدر في احتساب الشّهر على ما قضى ديننا وشرعه الله لنا كما في سورة البقرة ( أوّل ما نزل من القرآن بالمدينة وفيها فرض الصيّام)(53)، وعلى أنّ السنة العربيّة الهلاليّة اثنا عشر شهرا على ما توارثناه من إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، وقد نهينا عن التّكلّف.
وظاهر الخطاب في الحديث موجّه إلى يهود من يثرب ( وسنذكر ما يشير إلىذلك من حديث زيد بن ثابت)، لأنّ من عادة اليهود – كما يقول ابن بطّال" مراعاة النجوم بقوانين التّعديل" "حتى يستطيعوا الاحتفال بالأعياد الزراعيّة في مواسمها"، وحتّى تكون الأعياد الدّينيّة وما يصحبها من شعائر في يومهم المقدّس: السّبت، " فلا ينبغي أن يقع عيد يوم الغفران أو عيد رأس السّنة قبل أو بعد يوم السّبت. ولذلك، فقد تؤجّل بداية السنة عندهم يوما أو يومين حسب الأحوال، فتصبح السنة اليهودية العادية 353 أو 354 أو 355 يوما. أمّا السنة الكبيسة، فيزاد عليها شهر كامل فتصبح 383 أو 384 أو 385 يوما وطبقا للحسابات اليهوديّة الفلكيّة، هناك أيام محدّدة يبدأ فيها كلّ شهر، ولا يجوز أن يبدأ بغيرها". ولمّا كان " الفرق بين السنة الشّمسيّة والسنة القمريّة أحد عشر يوما، كان لا بدّ من تعويض هذا الفرق في عدد الأيّام حتّى يتطابق الحسابان، وتمّ إنجاز ذلك بإدخال تعديلات معقّدة على تقويمهم بحيث يتطابق التقويمان تمام التطابق مرّة كلّ عشرين عاما، فأضافوا شهرا كاملا مدّته ثلاثون يوما في كلّ عام ثالث وسادس وثامن وحادي عشر ورابع عشر وسابع عشر وتاسع عشر من هذه الدورة العشرينيّة، وهكذا... حيث تصبح سنتهم الكبيسة مكوّنة من ثلاثة عشر شهرا". "وكان تحديد التقويم ورأس السنة من أهمّ مهام السّنهدرين (بيت دين / المحكمة العليا/ مجلس اليهود الأعلى) في فلسطين"(54). وهذا التّفصيل يختصره حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه قَالَ: " لَيْسَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ بِالْيَوْمِ الَّذِي يَقُولُهُ النَّاسُ، إِنَّمَا كَانَ يَوْمَ تُسْتَرُ فِيهِ الْكَعْبَةُ وتَقْلِسُ فِيهِ الْحَبَشَةُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانَ يَدُورُ فِي السَّنَةِ، فَكَانَ النَّاسُ يَأْتُونَ فُلَانًا الْيَهُودِيَّ، فَيَسْأَلُونَهُ، فَلَمَّا مَاتَ الْيَهُودِيُّ أَتَوْا زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ فَسَأَلُوهُ" (55). ومعناه أنّ يوم عاشوراء ليس ذلك الذي يقوله النّاس أي اليهود (بنجاة موسى وإغراق فِرْعوْن ) وإنّما هو يوم ستر الكعبة.. وكان يدور في السّنة طبقا للتّقويم القمري. وربّما كان لليهود بيت دين / محكمة عليا فتضبط لهم تقويما ثابتا بقوانين التّعديل، فلمّا قضى عليهم النّبي صلّى الله عليه وسلم إجلاء (يهود بني قينقاع وبني النّضير) وقتلا ( يهود بني قريظة)، وبقيت طوائف منهم من بطون أخرى، جعلوا الحساب لرجل منهم يهودي، فلمّا مات أتوا الصحابي زيد بن ثابت ( ت 45 ه) وكان أحد فقهاء الصحابة الجلّة الفراض، فسألوه تثبيت الحساب بقوانين التّعديل ففعل(56).
ج – الكرامة الإنسانية الإسلاميّة: حديث "اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا ":
* إشكالات الرّواية عند أبي هريرة:
قبل الشروع في الكلام عن هذا الحديث نبيّن بعض المسائل المتعلّق بـ "سير" الرّواية عند الصّحابي أبي هريرة رضي الله عنه.
قال الإمام مسلم:" فَلَيْسَ من ناقل خبر وحامل أثر من السّلف الماضين الى زَمَاننَا وإن كَانَ من أحفظ النَّاس وأشدّهم توقيا وإتقانا لما يحفظ وينقل إلا والْغَلَط والسهو مُمكن فِي حفظه وَنَقله"(57). وأبو هريرة " راوية الإسلام" لا يخرج عن هذه الحقيقة ولا يشذّ عن هذه القاعدة ، ومن كثرت روايته كثرت سقطاته، وليس من روى حديثا واحدا أو اثنين كمن روى مئات بل آلاف الأحاديث، "لأن ضبط من قلَّت روايته أكثر من ضبط المتكثّر، وهو أبعد من السّهو والغلط الذي لا يُؤمن مع الإكثار"(58). والوثاقة والعدالة لا تفيد انعدام الخطإ في الرّواية والنّقل، إذ عارض الغلط والنّسيان في الرّاوي واقع لا محالة، ودرجات الروّاة لا تتساوى في العلم، و" لانهاية لمواقع إمكان الغلطات في الرّوايات"(59).
وكما " حَمَلَ عَنِ: النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقد حمل أيضا بعضا من روايته عن الصّحابة منهم: أُبَيٍّ، وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَأُسَامَةَ، وَعَائِشَةَ، وَالفَضْلِ، وَبَصْرَةَ بنِ أَبِي بَصْرَةَ الغفاري، وعن مسلمة اليهود: كَعْبٍ الحَبْرِ"(60) . وحديثه مقبول لأنّه صحابي، و"الصحابةَ كلَّهُم عدول "(61) لَيْسَ فيهم مَجْرُوح وَلَا ضَعِيف، وعليه أجمعت الأمّة (62)، ولكن كان يؤخذ على روايته الآتي:
* أنّه كان يهم في روايته: فقد روى أبو هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " وَلَدُ الزِّنَا شَرُّ الثَّلَاثَةِ". وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: "لَأَنْ أُمَتِّعَ بِسَوْطٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْتِقَ وَلَدَ زِنْيَةٍ"(63) .
وردّته أمّ المؤمنين عائشة فعن عروة قَالَ: بَلَغَ عَائِشَةَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " وَلَدُ الزِّنَى شَرُّ الثَّلَاثَةِ " فَقَالَتْ: يَرْحَمُ اللهُ أَبَا هُرَيْرَةَ أَسَاءَ سَمْعًا، فَأَسَاءَ إِجَابَةً (...) لَمْ يَكُنِ الْحَدِيثُ عَلَى هَذَا إنَّمَا كَانَ رَجُلٌ يُؤْذِي رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَمَا إنَّهُ مَعَ مَا بِهِ وَلَدُ زِنًى " وَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " هُوَ شَرُّ الثَّلَاثَةِ "(64).
* ردّ حديثه بنظائره من السنّة: فقد روى أَبِو هُرَيْرَةَ، أَنَّ نَبِيَّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "يَقْطَعُ الصَّلَاةَ الْمَرْأَةُ، وَالْكَلْبُ، وَالْحِمَارُ". وروى الأسود بن يزيد ومَسْرُوقٍ بن الأجدع، عَنْ عَائِشَةَ، وَذُكِرَ عِنْدَهَا مَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ الْكَلْبُ، وَالْحِمَارُ، وَالْمَرْأَةُ فَقَالَتْ عَائِشَةُ: قَدْ شَبَّهْتُمُونَا بِالْحَمِيرِ وَالْكِلَابِ، وَاللهِ لَقَدْ " رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي وَإِنِّي عَلَى السَّرِيرِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ مُضْطَجِعَةً، فَتَبْدُو لِي الْحَاجَةُ، فَأَكْرَهُ أَنْ أَجْلِسَ فَأُوذِيَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَنْسَلُّ مِنْ عِنْدِ رِجْلَيْهِ".
وزكّت أمّ المؤمنين ميمونه رواية أمّ المؤمنين عائشة، قال عبد عَبْدِ اللهِ بْن شَدَّادِ بْن الْهَاد، قَالَ: حَدَّثَتْنِي مَيْمُونَةُ زَوْجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَتْ: " كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي وَأَنَا حِذَاءَهُ وَأَنَا حَائِضٌ وَرُبَّمَا أَصَابَنِي ثَوْبُهُ إِذَا سَجَدَ"(65)..
* ردّ حديثه بالقياس: فقد روى ابن ماجه بسنده عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَلْيَغْتَسِلْ"(66). فبلغ عائشة أنّه قال: من غسل ميتا اغتسل وَمن حمله توضأ فبلغ ذَلِكَ عَائِشَة رَضِيَ اللهُ عَنْهُا فَقَالَتْ: أَوْ نجس موتى الْمُسْلِمِيْنَ وما عَلَى رَجُل لَوْ حمل عودا.قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: الرِّوَايَات المرفوعة فِي هَذَا الْبَابُ عَنْ أَبِيْ هُرَيْرَةَ غَيْر قوية لجهالة بَعْض رواتها وَضعف بَعْضهم وَالصَحِيْح أَنَّهُ موقوف عَلَى أَبِيْ هُرَيْرَةَ(67). قلت: بل هو من التوراة ممّا نقله عن كعب الأحبار، ففيها: سفر العدد، أصناف النّجاسة، 19: 11 - 12 من لمس جثمان إنسان ميت يبقى نجسا سبعة أيام، وعليه أن يتطهّر بماء التطهير في اليوم الثالث.. وفي سفر العدد أيضا 5 : 3- 4 (... )وكل من يتنجس بلمس ميت،اعزلوهم إلى خارج المخيّم..
* وكان يدلّس فلا يذكر عمّن روى الحديث: فقد حدّث عن النّبي صلى الله عليه وسلم، قال:" مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا أَفْطَرَ ذَلِكَ الْيَوْمَ"، فسئلت عن ذلك أُمَّا الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ، فقالتا:"فَأَشْهَدُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ " يُصْبِحُ جُنُبًا مِنْ جِمَاعٍ، غَيْرِ احْتِلَامٍ، ثُمَّ يَصُومُ ذَلِكَ الْيَوْمَ". فلمّا روجع أبوهريرة قال:"لَا عِلْمَ لِي بِذَاكَ. إِنَّمَا أَخْبَرَنِيهِ مُخْبِرٌ "(68).
وَقَالَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ: سَمِعْتُ شُعْبَةَ يَقُولُ: أَبُو هُرَيْرَةَ كَانَ يُدَلِّسُ. رَوَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ. وَكَانَ شُعْبَةُ يُشِيرُ بِهَذَا إِلَى حَدِيثِهِ: "مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا فَلَا صِيَامَ لَهُ ". فَإِنَّهُ لَمَّا حُوقِقَ عَلَيْهِ قَالَ: أَخْبَرَنِيهِ مُخْبِرٌ، وَلَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ(69) .
* وكان ينسى أحيانا ما روى: قال أبان بن عيسى( ت 221 ه) (فقيه العراق، وقاضي البصرة، وتلميذ محمّد بن الحسن تلميذ مالك وأبي حنيفة) مقوّما حديث أبي هريرة:" وَأَمَّا حِفْظُهُ لِمَا كَانَ سَمِعَهُ حَتَّى لَا يَنْسَى مِنْهُ شَيْئًا، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَتْ هَذِهِ فَضِيلَةً لَهُ قَدْ اُخْتُصَّ بِهَا، وَفَازَ بِحَظِّهَا مِنْ سَائِرِ الصَّحَابَةِ، وَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ لَعَرَفُوا ذَلِكَ لَهُ، وَاشْتَهَرَ عِنْدَهُمْ أَمْرُهُ، حَتَّى كَانَ لَا يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَنْزِلَتُهُ، وَلَرَجَعَتْ الصَّحَابَةُ إلَيْهِ فِي رِوَايَتِهِ، وَلَقَدَّمُوهَا عَلَى رِوَايَاتِ غَيْرِهِ، لِامْتِنَاعِ جَوَازِ النِّسْيَانِ عَلَيْهِ، وَجَوَازِهِ عَلَى غَيْرِهِ، وَلَكَانَ هَذَا التَّشْرِيفُ وَالتَّفْضِيلُ الَّذِي اُخْتُصَّ بِهِ مُتَوَارَثًا فِي أَعْقَابِهِ، كَمَا " خُصَّ جَعْفَرٌ بِأَنَّ لَهُ جَنَاحَيْنِ فِي الْجَنَّةِ " وَخُصَّ " حَنْظَلَةَ بِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ غَسَّلَتْهُ ".
فَلَمَّا وَجَدْنَا أَمْرَهُ عِنْدَ الصَّحَابَةِ بِضِدِّ ذَلِكَ، لِأَنَّهُمْ أَنْكَرُوا كَثْرَةَ رِوَايَتِهِ: عَلِمْنَا: أَنَّ مَا رَوَى: فِي أَنَّهُ لَا يَنْسَى شَيْئًا سَمِعَهُ - غَلَطٌ. وَكَيْفَ يَكُونُ كَذَلِكَ وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ حَدِيثٌ رَوَاهُ عَنْ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَهُوَ قَوْلُهُ فِيمَا أَخْبَرَ " لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ " ثُمَّ رَوَى " لَا يُورِدَنَّ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ" .
فَقِيلَ لَهُ: قَدْ رَوَيْت لَنَا عَنْ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَبْلَ ذَلِكَ " لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ " . فَقَالَ: مَا رَوَيْته.
وَلَا يَشُكُّ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ: أَنَّ ذَلِكَ مِمَّا قَدْ نَسِيَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ، لِأَنَّ الرِّوَايَتَيْنِ جَمِيعًا صَحِيحَتَانِ عَنْهُ، وَعَلَى أَنَّهُ لَوْ صَحَّ الْحَدِيثُ الَّذِي فِيهِ: أَنَّهُ بَسَطَ رِدَاءَهُ، ثُمَّ لَمْ يَنْسَ شَيْئًا، كَانَ مَحْمُولًا عَلَى مَا سَمِعَهُ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ خَاصَّةً، دُونَ غَيْرِهِ"(70).
* سرده الحديث سردا: فقد روى أحمد بسنده عُرْوَةُ،عن عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: أَلَا يُعْجِبُكَ أَبُو هُرَيْرَةَ، جَاءَ فَجَلَسَ إِلَى جَانِبِ حُجْرَتِي يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يُسْمِعُنِي ذَلِكَ، وَكُنْتُ أُسَبِّحُ، فَقَامَ قَبْلَ أَنْ أَقْضِيَ سُبْحَتِي، وَلَوْ أَدْرَكْتُهُ لَرَدَدْتُ عَلَيْهِ، " أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يَسْرُدُ الْحَدِيثَ كَسَرْدِكُمْ" (71).
* روايته عن مسلمة اليهود: وأشهرهم وأخطرهم " كعب الأحبار (ت 34 ه)"، فعنه روى أبو هريرة حديث التربة المخرّج في صحيح مسلم(72)، وكان يجالسه فيحدثه كعب عن التّوراة ويحدّثه أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبالغا في ذلك حتّى تهدّدهما أمير المؤمنين عمر، فروى أبو زرعة الدمشقي (281ه) قال:"حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ زُرْعَةَ الرُّعَيْنِيُّ قال: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ قال: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ لِأَبِي هُرَيْرَةَ: لَتَتْرُكَنَّ الْحَدِيث عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم أو لألحقنك بِأَرِضِ دَوْسٍ. وَقَالَ لِكَعْبٍ: لَتَتْرُكَنَّ الْأَحَادِيثَ، أَوْ لَأُلْحِقَنَّكَ بِأَرْضِ الْقِرَدَةِ"(73) .
فلمّا استشهد أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه. وارتفع عن أبي هريرة القيد، فكأنّما حلّ من عقال. عادا إلى تلك المجالسة، بل ارتحل إلى الطّور لملاقاة كعب الأحبار. قال :"قَالَ: خَرَجْتُ إِلَى الطُّورِ فَلَقِيتُ كَعْبَ الْأَحْبَارِ فَجَلَسْتُ مَعَهُ، فَحَدَّثَنِي عَنِ التَّوْرَاةِ، وَحَدَّثْتُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ...".
وأخطر ما في هذا الأخذ عن كعب الأحبار أنّ أبا هريرة كان لا يفصل حديث رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم عن أخبار كعب الأحبار. روى مسلم بن الحجّاج بسنده عن بسر بن سعيد قال:اتَّقُوا اللَّهَ وَتَحَفَّظُوا مِنَ الْحَدِيثِ، فَوَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُنَا نُجَالِسُ أَبَا هُرَيْرَةَ، فَيُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيُحَدِّثُنَا عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ، ثُمَّ يَقُومُ فَأَسْمَعُ بَعْضَ مَنْ كَانَ مَعَنَا يَجْعَلُ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ كَعْبٍ، وَحَدِيثَ كَعْبٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَفِي رِوَايَةٍ: يَجْعَلُ مَا قَالَهُ كَعْبٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا قَالَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ كَعْبٍ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَتَحَفَّظُوا فِي الْحَدِيثِ"(74).
وأجمع محقّقو مسند الإمام أحمد عن الاستغناء عن روايات كعب الأحبار فقالوا: وكان يحفظ عجائب- ويحدث الصحابة من الكتب الإسرائيلية عن أخبار بني إسرائيل من الأوابد والغرائب، ممّا كان وممّا لم يكن وممّا حُرِّف وبُدِّل ونُسخ، وقد أَغنانا اللهُ بما هو أصح منه وأنفع وأوضح وأبلغ(75)، وعلّق الشّيخ أحمد محد شاكر على أسانيد فيها كعب: "هذا الإسناد صحيح، وسواء صح أم ضعف، فلا قيمة له، إذ منتهاه إلى كعب الأحبار. وما كان كلام كعب حجّة قط، في التفسير وغيره"(76).
وقد عبّر كتّاب مسلمون معاصرون عن خطر الإسرائيليّات، فاعتبرها بعضهم "تهويدا للإسلام"(77). وقال ثان:" إنّ الإسرائيليات التي دسّها (اليهود) على تأويل القرآن نشبت حقّا في كتب التفسير، وبقي نصّه الثّابت المحكم، يكفي وحده لنفيها عنه"(78) . وقال ثالث:" أمّا السّنة "فقد تطرّق إليها الدّخيل، والتبس الصحيح منها بالعليل، وكان الدّافع لهذا كلّه أغراضا سيّئة، وأحقادا ملأت قلوب الحانقين على الإسلام والمسلمين. وكان من أئمّة الضلال (من اليهود) من بثّ سمومه وأفكاره الخبيثة بين المسلمين، وكان من بين المسلمين – وللأسف عن غفلة وسذاجة- فريق شارك في هذا العبث، على اختلاف بينهم في دوافع ذلك وبواعثه "(79). وأكّد رابع أنّ تلك الإسرائيليات من وضع "أعداء الإسلام الذين قصدوا تشويه جماله والحطّ من كماله"، وأنّ " الدّافع لهذا كلّه كان أغراضا سيّئة. وأحقادا ملأت قلوب الحانقين على الإسلام والمسلمين"(80). وأنّ القصد منها هو الحطّ من "عقائده التي هي أسمى العقائد وأحقُّها بالقبول، وأليقها بالفطر البشريّة، وأقربُها إلى العقول، وأمسُّها بالقلوب، كي يظهر الإسلام أمام الباحثين، ولا سيما في العصر الأخير: عصر تقدّم العلوم الكونيّة، والمعارف البشريّة، بمظهر الدّين الذي يشتمل على الخرافات والتّرهات، لأنّ كتابه الأكبر هو: القرآن الكريم، وهذه هي : تفاسيره، فيها كثير ممّا يخالف حقائق العلم، وسنن الله الكونيّة !! ومؤلّفوها هم : من علماء الإسلام، بل ومن كبارهم، فهي صورة للإسلام، ولتفكير المسلمين"(81).
أمّا إسرائيل بن زئيف (ولفنسون) أبو ذؤيب فقال مقرّرا :"يعدّ كعب الأحبار في نظرنا أعظم من اعتنق الإسلام شأنا في القرن الاوّل للهجرة من اليهود، وأقواهم أثرا في المحيط الجديد الذي اختاره لنفسه... (وكان كعب) يهوديّا من المهد إلى اللّحد، تشبّع بالعقليّة اليهوديّة، حتى برزت فيه هذه النّحلة بروزا لم ير مثله عند غيره من مسلمة اليهود، فقد كان بعد إسلامه كأنّه لم يترك دين أجدادهأ لأنّه كان ينظر إلى الإسلام بالعين اليهوديّة، ويحلّ جميع ما يعرض له من المشاكل الدّينيّة الإسلاميّة بعد أن كان يغوص في الآداب اليهوديّة، وكأنّ إسلامه لم يكن إلّا تطوّرا طبيعيّا لحياته في بلاد العرب... وأهمّ دليل على أنّ كعبا لم يجد أيّ تناقض بين دينه ودين أجداده القديم أنّه لم يرم اليهود بتهمة تزوير بعض آيات التوراة كما فعل عبد الله بن سلام ومحمّد بن كعب القرظي... ولم يخف كعب يهوديّته، ولم يحمل عليه أحد بسبب ذلك بل كان في إسلامه يحمل أسفار التوراة، ويتلو ما ورد فيها وفي التّلمود أمام الجموع الحافلة في المساجد وفي مجلس الخليفة نفسه(82). وقد أنصت الصحابة إلى كعب الأحبار بتسامح عجيب حينما ذكر التوراة وسمّاها بكتاب الله(83).
* حديث "اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا ":
أ- الكرامة الإنسانية معلم للسياق الحضاري الإسلامي:
كان من معالم السّياق الحضاري الإسلامي التأسيس لكرامة الإنسان. والكرامة لا يضبطها تعريف، ولا يحدّها لفظ، فهي تساوي كلّ الإنسان في مطلق حقيقته باعتباره إنسانا، ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِے ءَادَمَ ﴾[الإسراء 70]، وفي مطلق تنوّعه ﴿وَمِنْ ءَايَٰتِهِۦ خَلْقُ اُ۬لسَّمَٰوَٰتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَٰفُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَٰنِكُمْۖ إِنَّ فِے ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّلْعَٰلَمِينَۖ﴾[الرّوم 22 ] فجميع البشر من جوهر واحد، "وَالنَّاسُ بَنُو آدَمَ، وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ"(84)، لا يتمايزون إلّا بالتّقوى والعمل الصّالح﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اَ۬للَّهِ أَتْقَيٰكُمْۖ﴾[الحجرات13].
وحين ينظّر المسلم لمعنى الكرامة يقول:" (هي) قيمة جامعة خصّ بها الإنسان، وتعني فيما تعني النّفاسة والرّفعة والعزّة وعلوّ الشّأن، وانتفاء أيّ معنى من معاني الخسّة والذّل والابتذال"(85)
وعندما نشيد بما قرّره الإسلام من حقوق للمرأة " نقول إنّ القرآن قرّر أهليّة المرأة بكلّ تكليف إيماني، واجتماعي، وتعبدي، ومالي، وجهادي، وأخلاقي كالرجل بدون أي تمييز. ورتّب عليها كلّ ما رتّبه على الرّجل تتّجه لكل عمل تقوم به من ذلك ثوابا وعقابا، وحدودا في الدنيا والآخرة بدون أي تمييز. وعيّن لها نصيبا في الإرث، وأمر بأدائه لها، وأوجب لها أداء مهرها.
وقرّر لها الحقّ المطلق في التّصرف في كلّ ما يدخل في يدها من مال مهما كان عظيما دون أي تدخل أو إشراف أو إذن من الرّجل مهما كانت صلته بها، فتبيع وتشتري وتملك العقار والأرقاء والأرضين، وتزرع وتحصد، وتستدين وتدين، وتهب وتوصي، وتعتق وتكاتب، وتؤجر وتستأجر.
وجعل أمر نفسها بيدها - إلّا إذا كانت قاصرة - فتزوّج نفسها بدءا ومراجعة. وتفتدي نفسها من زوجها، وتصالحه، وتجادل عن نفسها رسول الله ومَن دونه.
وأوجب عليها كلّ ما أوجبه على الرّجل من التّفكير في آلاء الله والتدبّر في كتاب الله والتعلّم والتّعليم.
وقرّر أنّ المؤمنين والمؤمنات بعضهم أولياء بعض، وبعضهم من بعض، ونوّه بالمؤمنات الصّابرات الصّادقات القّانتات الخاشعات الصّائمات المتصدّقات الحافظات لحدود الله، والذاكرات الله كثيرا على قدم المساواة مع أمثالهنّ من الرّجال. واعترف بشخصيّتهنّ في نطاق الدّولة، مستقلّة عن الرّجل وأمر النبّي صَلَّى الله عليه وسلم بأخذ البيعة منهن ... ولا يصحّ هذا إلّا مع فرض الأهليّة التّامة للمرأة عقلا وأخلاقا وقابليّة ومواهب وجبلّة. "(86) .
إنّ ما يقرّره المرجع الأصلي للسّياق الحضاري الإسلامي - كتاب الله تعالى- " تهدّه" "أحاديث أخرى بسبيل التدليل على سفاهة المرأة، ونقص عقلها ودينها، وعوج طبيعتها" (87)، وعدم أهليّتها، تنسب إلى النّبي صلى الله عليه وسلم، ويحاول المسلم تأويلها إذا صحّ سندها ، أو يكتفى في "شرحها" على الإحالة على الشروح السّابقة... ومهما فعل من ذلك مخاتلا المعنى متمسّكا بالصحة باعتبار السند، فإنّه يظل في قطيعة بين ما تفرضه معالم السياق الحضاري الإسلامي في مرجعه الأصلي - كتاب الله تعالى- وبين ما " تشوشه" تلك الروايات المنسوبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
ب- قرائن ضعف رواية الضّلع:
لقد كان من عيوب الرواية لدى الصحابي أبي هريرة أنّه يسرد الحديث سردا، بمعنى أنّه يكثر الحديث فيتابع استعجالاً بعضه إثر بعض، فيلتبس على المستمع الفصل بين الحديث والحديث... وأحيانا لا يفصل كلام النّبي صلى الله عليه وسلم عن كلام غيره، و أخطر ما في هذا أنّه لا يفصل حديث رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم عن أخبار كعب الأحبار. فقد روى مسلم بن الحجّاج بسند صحيح عن بسر بن سعيد (88) قال:اتَّقُوا اللَّهَ وَتَحَفَّظُوا مِنَ الْحَدِيثِ، فَوَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُنَا نُجَالِسُ أَبَا هُرَيْرَةَ، فَيُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيُحَدِّثُنَا عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ، ثُمَّ يَقُومُ فَأَسْمَعُ بَعْضَ مَنْ كَانَ مَعَنَا يَجْعَلُ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ كَعْبٍ، وَحَدِيثَ كَعْبٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَفِي رِوَايَةٍ: يَجْعَلُ مَا قَالَهُ كَعْبٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا قَالَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ كَعْبٍ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَتَحَفَّظُوا فِي الْحَدِيثِ"(89).
ونظرا لطريقته في التّحديث قال إبراهيم النّخعي:: كَانَ أَصْحَابُنَا يَدَعُونَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَرَوَى الْأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: مَا كَانُوا يَأْخُذُونَ بِكُلِّ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ. وعَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: كَانُوا يَرَوْنَ فِي أَحَادِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ شَيْئًا، وَمَا كَانُوا يَأْخُذُونَ مِنْ حَدِيثِهِ إِلَّا مَا كَانَ مِنْ حَدِيثِ جَنَّةٍ أَوْ نَارٍ(90).
وأحيانا يأتي السّرد في شكل شرح كلام النّبي صلى الله عليه وسلم بكلام كعب الأحبار أو بنصّ التّوراة رواية كعب الأحبار، فيدرج هذا في هذا ويتناسب الإرداف فيظّنه السامع كلَّه من كلام صلى الله عليه وسلم.
وحديث "اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا،فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٍ... " قاله النّبي صلى الله عليه وسلم في حجّة الوداع الذي رواه عليّ بن أبي طالب وعمرو بن الأحوص(91)، فرواه أبو هريرة في بعض مجالسه بصيغة: "اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ " - دون لفظة : خيرا - وأدرج فيه خبر كعب عن التوراة: فَإِنَّ المَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ"، وزاد شارحا معلّلا الاستيصاء: وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلَاهُ، إِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ، وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ". ثمّ عاد إلى أصل لفظ القطعة من حديث النّبي صلى الله عليه وسلم في حجّة الوداع "اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا". فحمل السامعون نصّ الرّواية عنه كما سمعوا.
لم يكن أبو هريرة " بيداغوجيّا ماهرا "، وإنّ المتتبع لهذا الحديث ليلحظ طريقة السرد التي يتّبعها أبو هريرة، ففي لفظ رواية إسحاق بن راهويه قال: " أَخْبَرَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجُعْفِيُّ، نا زَائِدَةُ، عَنْ مَيْسَرَةَ الْأَشْجَعِيِّ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يُؤْذِ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُحْسِنْ قِرَى ضَيْفِهِ"، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا حَقُّ الضَّيْفِ؟ قَالَ: " ثَلَاثٌ فَمَا كَانَ فَوْقَهُنَّ أَوْ بَعْدَهُنَّ فَهُوَ صَدَقَةٌ"، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ شَهِدَ أَمْرًا فَلْيَتَكَلَّمْ بِخَيْرٍ أَوْ لِيسْكُتْ، اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ فَإِنَّهُنَّ خُلِقْنَ مِنْ ضِلْعٍ، وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلْعِ أَعْلَاهُ فَإِنْ أَرَدْتَ إِقَامَتَهُ كَسَرْتَهُ وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ، فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا"(92).
و في لفظ رواية مسلم قال حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ مَيْسَرَةَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:" مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، فَإِذَا شَهِدَ أَمْرًا فَلْيَتَكَلَّمْ بِخَيْرٍ أَوْ لِيَسْكُتْ، وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ، وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلَاهُ، إِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ، وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ، اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا"(93).
وفي لفظ البخاري قال:" حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، وَمُوسَى بْنُ حِزَامٍ، قَالاَ: حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ مَيْسَرَةَ الأَشْجَعِيِّ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ، فَإِنَّ المَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ، وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلاَهُ، فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ، وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ، فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ"(94).
فيلاحظ اشتراكهم في السّند من حسين بن علي الجعفي عن زائدة عن ميسرة الأشجعي عن أبي حازم عن أبي هريرة، ويلاحظ أيضا حضور طريقة السّرد التي عيبت على أبي هريرة، ويلاحظ ثالثا أنّه لا يصرّح بالسماع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيحتمل أنّه لم يسمع كلّ اللفظ عنه مباشرة ، وإنّما رواه عن غيره من الصحابة فدلّسه ولذلك عنعنه.
أمّا عن تقليص لفظ الرّواية فقد أخرجه البخاري – دون مسألة الضلع- من أربع طرق عن أبي هريرة:
الأولى: برقم 6018 حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُوالأَحْوَصِ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلاَ يُؤْذِ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ".
والثانية: برقم: 6136 حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. بنفس لفظ الأولى.
والثالثة: برقم 6138 حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ".
والرابعة: برقم 6475 حَدَّثَنِي عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. بنفس اللفظ في الأولى أيضا.
ثمّ أضاف ثلاث روايات أخريات بسند مغاير لسند أبي هريرة – ودون خبر الضلع-.
الأولى: برقم 6019 حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدٌ المَقْبُرِيُّ، عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ العَدَوِيِّ، قَالَ: سَمِعَتْ أُذُنَايَ، وَأَبْصَرَتْ عَيْنَايَ، حِينَ تَكَلَّمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ:"مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ جَائِزَتَهُ" قَالَ: وَمَا جَائِزَتُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، وَالضِّيَافَةُ ثَلاَثَةُ أَيَّامٍ، فَمَا كَانَ وَرَاءَ ذَلِكَ فَهُوَ صَدَقَةٌ عَلَيْهِ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ".
والثانية: برقم 6135 حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الكَعْبِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، جَائِزَتُهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، وَالضِّيَافَةُ ثَلاَثَةُ أَيَّامٍ، فَمَا بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ صَدَقَةٌ، وَلاَ يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَثْوِيَ عِنْدَهُ حَتَّى يُحْرِجَهُ"، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ: مِثْلَهُ، وَزَادَ:"مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ".
والثّالثة: برقم 6476 حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ المَقْبُرِيُّ، عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الخُزَاعِيِّ، قَالَ: سَمِعَ أُذُنَايَ وَوَعَاهُ قَلْبِي: النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "الضِّيَافَةُ ثَلاَثَةُ أَيَّامٍ، جَائِزَتُهُ" قِيلَ: مَا جَائِزَتُهُ؟ قَالَ: " يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَسْكُتْ".
وأمّا مسلم فأورد قطعا منه من طريق أبي هريرة في مناسبتين:
الأولى: برقم 182 في كتاب الإيمان، حَدَّثَنِى حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ أَخْبَرَنِى يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِى سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ " مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ".
والثانية: برقم 183 حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ عَنْ أَبِى حَصِينٍ عَنْ أَبِى صَالِحٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- " مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلاَ يُؤْذِى جَارَهُ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَسْكُتْ ".
ثمّ إنّه أردف رواية أبي هريرة بروايتين أخريين من غير طريق أبي هريرة:
الأولى : في نفس الباب ولكن بسند مغاير تماما لسنده: برقم 185 حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ - قَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ - عَنْ عَمْرٍو أَنَّهُ سَمِعَ نَافِعَ بْنَ جُبَيْرٍ يُخْبِرُ عَنْ أَبِى شُرَيْحٍ الْخُزَاعِىِّ أَنَّ النَّبِىَّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ « مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُحْسِنْ إِلَى جَارِهِ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَسْكُتْ.
والثانية: في كتاب اللّقطة برقم 4610 حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى سَعِيدٍ عَنْ أَبِى شُرَيْحٍ الْعَدَوِىِّ أَنَّهُ قَالَ سَمِعَتْ أُذُنَاىَ وَأَبْصَرَتْ عَيْنَاىَ حِينَ تَكَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ " مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ جَائِزَتَهُ ». قَالُوا وَمَا جَائِزَتُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ" يَوْمُهُ وَلَيْلَتُهُ وَالضِّيَافَةُ ثَلاَثَةُ أَيَّامٍ فَمَا كَانَ وَرَاءَ ذَلِكَ فَهُوَ صَدَقَةٌ عَلَيْهِ - وَقَالَ - مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ ".
فكأنّي بالشّيخين - إلى جانب بيان إمامتهما في هذا الشّأن ومعرفتها بالأسانيد وألفاظ المتون- يرشدان إلى ما يثبت لأبي هريرة سماعه عن النّبي الله صلى الله عليه وسلم، بإرداف روايته – دون خبر الضلع- برواية أبي شريح العدوي المصرّح فيها بالسماع عنه الله صلى الله عليه وسلم. ثمّ ساق البخاري روايتي الضلع من بسند أبي هريرة منفصلة عن بقيّة ألفاظ الحديث الأخرى في مناسبتين:
الأولى: برقم 3331 حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، وَمُوسَى بْنُ حِزَامٍ، قَالاَ: حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ مَيْسَرَةَ الأَشْجَعِيِّ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ، فَإِنَّ المَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ، وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلاَهُ، فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ، وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ، فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ".
والثانية: برقم 5184 حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "المَرْأَةُ كَالضِّلَعِ، إِنْ أَقَمْتَهَا كَسَرْتَهَا، وَإِنِ اسْتَمْتَعْتَ بِهَا اسْتَمْتَعْتَ بِهَا وَفِيهَا عِوَجٌ".
وصنع مسلم صنيعه فساق خبر الضلع في مناسبتين أيضا:
الأولى: برقم59 - (1468) حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، وَاللَّفْظُ لِابْنِ أَبِي عُمَرَ، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ لَنْ تَسْتَقِيمَ لَكَ عَلَى طَرِيقَةٍ، فَإِنِ اسْتَمْتَعْتَ بِهَا اسْتَمْتَعْتَ بِهَا وَبِهَا عِوَجٌ، وَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهَا، كَسَرْتَهَا وَكَسْرُهَا طَلَاقُهَا".
والثانية: برقم 65 – (1468) وحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي ابْنُ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ الْمَرْأَةَ كَالضِّلَعِ، إِذَا ذَهَبْتَ تُقِيمُهَا كَسَرْتَهَا، وَإِنْ تَرَكْتَهَا اسْتَمْتَعْتَ بِهَا وَفِيهَا عِوَجٌ".
وليس في جميع رواياته - لخبر الضلع - تصريح بالسّماع، وإنّما هو عنعنة أو صيغة ( قال: قال)(95)، ولا صحّت لهما رواية عنه (خبر الضلع) من غير طريق أبي هريرة، ولو وجداه من طريق صحابي آخر لأورداه كما فعلا ببقيّة ألفاظ الحديث حيث أثبتا سماعها من طريق أبي شريح العدوي، و في ذلك إشارة إلى أنّ خبر الضلع لم يثبت عندهما ففصلاه عن بقيّة ألفاظ الرواية كما وردت في مسند ابن راهويه، ولعلّ في ذلك إماءة إلى أنّه خبر معلّ عندهما لا يثبت من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم(96)، وعندها يمكن أن يكون كتابا الشّيخين مشتملين على أحاديث معلّة أورداها عمدا لكشف عللها(97) .
وقد روي حديث الضلع من غير طريق أبي هريرة ، فرواه:
ابن أبي شيبة في المصنف ح ر 19270 من حديث سمرة بن جندب. بسنده عن عوف الأعرابي عن رجل، وأحمد، ح ر 20093 عن عوف الأعرابي : قال: حد ّثني رجل. ومثله الحارث بن أبي أسامة في بغية الباحث ح ر 496 عن عوف الأعرابي عن رجل. ومثله الروياني في المسند ح ر 851 عن عوف حدثني شيخ.
ورواه ابن حبان في الصحيح ح ر 4178 ،والطبراني في الكبير ح ر 6992، وابن السني في عمل اليوم والليلة ح ر 609 ، والحاكم في المستدرك ح ر 7333 عن عوف عن أبي رجاء يعني العطاردي .
فاضطراب الراوي في روايته دليل على سوء حفظه وخفّة ضبطه ، ووفيات مخرجي الحديث قسمان :
الأوّل: ابن أبي شيبة(ت 235ه )-أحمد (ت 241 ه)- الحارث بن أبي أسامة(ت 282ه)- الروياني (307 ه).
والثاني: ابن حبّان (ت 354ه) الطبراني (ت 360ه) – ابن السني(ت 364) – الحاكم (ت 405ه ).
فكيف استقام أن يكون في أسانيد الحفّاظ الأول راو مبهم فينقطع السند، وبعد فاصل زمني يبلغ قرنا في المتوسط يعرّف المبهم ويتّصل السند؟ والذي وصل السند عند الطائفة الثانية هو جعفر بن سليمان الضبعي اختلفت كلمة النقاد فيه فوثقه ابن معين وكان يحيى بن سعيد لا يكتب حديثه، و لا يروي عنه، وكان يستضعفه(98).
وروي حديث الضلع عن عائشة أم المؤمنين، عند أحمد في المسند ح ر 26384 وغيره ، فيه عامر بن صالح، وهو ابن عبد الله بن عروة بن الزبير، قال الحافظ: متروك الحديث، وبقية رجال الإسناد ثقات رجال الشيخين.
والبزار في الزوائد ح ر 1479،, والطبراني في الأوسط ح ر 972 ، وفيه زهير بن محمد، التميمي؛ رواية أهل الشام عنه غير مستقيمة، وهذه منها، فعمرو بن أبي سلمة هو أبو حفص الدمشقي.
ورواه أحمد ح ر 21339 وغيره، وفي سنده نُعيم بن قعنب ولم يوثقه غير ابن حبان، وروى عنه هذا الحديث ثلاثة اختلف عليهم، فقد رواه سعيد الجريري عن أبي السليل عن نُعيم. ومرة آخرى عن أبي العلاء بن الشخير عنه، وثالثة عن أبي العلاء أو أبي السليل أو غالب ابن عَجْرد عنه كما قال المزي في ترجمة نُعيم بن قعنب من "التهذيب". قاله الأرنؤوط.
ج- نصّ التوراة:
في سفر التكوين 1: 22 - 24 ، تحت عنوان: خلق المرأة، قال: " فأوقع الرّب الإله آدم في نوم عميق، ثمّ تناول ضلعا من أضلاعه وسدّ مكانها باللّحم، وعمل من هذه الضلع امرأة أحضرها إلى آدم، فقال آدم:" هذه الآن عظم من عظامي ولحم من لحمي. فهي تدعى امرأة لأنها من امرئ أخذت".
فأصل خلق المرأة في نص التوراة من الضّلع، وفي نصّ رواية الشّيخين عن أبي هريرة:" إِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ". فالمرجع الأصلي في هذا الخلق إذًا هو التوراة، وما كان لأبي هريرة أن يقرأها فإنّه لم يكن يكتب كما أخبر عن نفسه فيما رواه البخاري بسنده عن عَنْ هَمَّامٍ قال: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُوْلُ : "مَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَدٌ أَكْثَرَ حَدِيثًا عَنْهُ مِنِّي، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، فَإِنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ وَلاَ أَكْتُبُ"(99). ومن لا يكتب لا يقرأ بالضرورة، فتكون معرفته ببعض ما فيها من مسلمة اليهود ، وعلى رأسهم كعب الأحبار. فقد روى الطَّيَالِسِيُّ: حَدَّثَنَا عِمْرَانُ القَطَّانُ، عَنْ بَكْرِ بنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّهُ لَقِيَ كَعْباً، فَجَعَلَ يُحَدِّثُهُ، وَيَسْأَلُهُ.
فَقَالَ كَعْبٌ: مَا رَأَيْتُ أَحَداً لَمْ يَقْرَإ التَّوْرَاةَ أَعْلَمَ بِمَا فِيْهَا مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ(100).
فأصل رواية الخلق من التوراة، وربّما أضاف أبو هريرة نعت الاعوجاج إلى الضلع مباشرة كما في حديث الحاكم بسنده عنه أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " الْمَرْأَةُ خُلِقَتٍ مِنْ ضِلَعٍ أَعْوَجَ وَإِنَّكَ إِنْ أَقَمْتَهَا كَسَرْتَهَا، وَإِنْ تَرَكْتَهَا تَعِشْ بِهَا وَفِيهَا عِوَجٌ"(101) . و تكون بقيّة عبارات الرواية شرحا لها كما عند الشّيخين.
وعلى هذا الأصل من التوراة الذي تسرّب من تراث تلك الأمّة المهزومة(102) اعتمد شراح الحديث وكثير من المفسرين لقوله تعالى: ﴿اُ۪تَّقُواْ رَبَّكُمُ اُ۬لذِے خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٖ وَٰحِدَةٖ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا ﴾[النساء 1 ]، وازدادت الدّقة في تحديد هذا الضلع فقال الحافظ ابن حجر: " قيل فيه إشارة إلى أن حواء خلقت من ضلع آدم الأيسر وقيل من ضلعه القصير"(103). وروى ابن المنذر بسنده عن عبد الله بن عمرو قال:" خُلِقَتْ حَوَّاءُ مِنْ خَلْفٍ، مِنْ ضِلْعِ آدَمَ الأَيْسَرِ "(104).
وصارت المرأة المسلمة التي رفع الله تعالى قدرها وعظّم شأنها في ما ورد في الكتاب المجيد وصحيح قول النبي صلى الله عليه وسلم محلّ تندّر وتفكّه، و صار " الْضِلْعُ يُعَبَّرُ بِالْمَرْأَةِ، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلْعٍ أَعْوَجَ"عند محيي السّنة(105). هكذا بكامل التّسليم للرواية التوراتيّة.
بل صار هذا النص التوراتي سبيلا لمذمّة المرأة عند أمّة أول من آمن برسولها وآزره امرأة ( خديجة أمّ المؤمنين)، وأوّل شهيد منها استشهد في الإسلام امرأة (سميّة أمّ عمّار)، ومن أكبر فقهائها وحفظة دينها امرأة (عائشة أمّ المؤمنين)... فأنشد شاعرها قال:(البحر الطويل)
هِيَ الضِّلْعُ الْعَوْجَاءُ لَيْسَتْ تُقِيمُهَا ... أَلَا إِنَّ تَقْوِيمَ الضُّلُوعِ انْكِسَارُهَا
إِنْ يَجْمَعْنَ ضَعْفًا وَاقْتِدَارًا عَلَى الْفَتَى ... أَلَيْسَ عَجِيبًا ضَعْفُهَا وَاقْتِدَارُهَا.
وعلّق الأصمعيّ فقال: هَذَا أبْلَغُ مَا قِيْلَ في وَصْفِ النِّسَاءِ بِالذّمِّ لَهُنّ وَهُوَ مَأْخُوْذ مِنْ قَوْلِ رَسُوْلِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: المَرْأَةُ مَنْ ضِلْعٍ عَوْجَاءَ فَإِنْ دَارَيْتَهَا اسْتَمْتَعْتَ بِهَا وَإِنْ رُمْتَ تَقْوِيْمَهَا كَسَرْتهَا.
فانظر كيف تضيّع الأمّة معالم طريق نهضتها بالطعن في شطر المنتسبين إليها، من اللائي يتربى شطرها الثاني على يديه !!
الخاتمة:
بعدما وقفنا على بعض النماذج من الحديث النبوي الصّحيح، وتبيّنا أهميّة دور السياق الحضاري في توجيه معانيها أو تبيان مدى أصالتها نخلص إلى ما يأتي:
- أنّ السياق الحضاري الإسلامي الذي بيّنا خطوطه في مرحلته الأولى، كان حقيقة قرآنية بالدرجة الأولى أنجزت على وجه التاريخ بكلّ قوّة وروعة، وأنّ استكمال مرحلته الثانية قادم لا محالة، وأنّ بداية خطواته تكون بتدبر كتاب الله تعالى في معرفة معالمه وإبرازها معان تشكّل هويّة المسلم وأفكارا تطبع مهجته وتؤطر سلوكه وترسم طريقه نحو العلوّ في الأرض بالحقّ .
- الكلام النبوي لا ينزل عن مرتبة الحكمة، وهو مقدّس باعتبار قائله النبي صلى الله عليه وسلم، وهو ثاني أدلّة مراجع الدين بعد الكتاب الحكيم وهما أساسا عقيدة هذه الأمّة وشريعتها ونظرتها إلى الوجود، وهما عنوانا هويّتها وضابطا اجتماعها. وعليه فإنّ صيانة الكلام النبوي من الدخيل عليه من مرجعيّة حضاريّة أخرى – وخاصة معادية له- أمر بالغ الأهميّة.
- أنّ السياق الحضاري الإسلامي بمعالمه يمثل سبيلا لفهم ما ينسب إلى النّبي صلى الله عليه وسلم من حديث،مثلما رأينا في بيان مصطلح الأميّ، وأوضحنا ما داخل حديث " نحن أمّة أميّة الشهر كذا وكذا" من إدراج أضاع المعنى الأصيل لهذا النعت الرّفيع الذي أسند إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وأنّ هذا السياق نفسه وسيلة لمحاكمة ما يصحّ من حديثه صلى الله عليه وسلم سندا ويكون ذا مضمون مشكل كما حاولنا إيضاحه في نقدنا لـ " حديث الضلع ".
- أكّدنا على خطورة ما تسرّب إلى تراثنا الحديثي من مرويات إسرائيليّة تهدف إلى " تهويد الإسلام"، ووجّهنا من خلال النّقد إلى وجوب إعادة النظر في تلك المرويات وفي "عدالة" روّاتها من مسلمة اليهود.
- أنّ عدالة الصحابة رضي الله عنهم ورفعة منزلتهم عندنا ( أهل السنة خاصّة) ينبغي أن لا تمنعنا من نقد مروياتهم عن النبي صلى الله عليه وسلم، فإنّ صيانة كمال شخصه، وحفظ جلالة قدره، ودوام رفعة منزلته مقدّمة على كلّ شخص أيّا كان مقامه.
- يتوجّه نقدنا لبعض الأحاديث نحو إدراك أنّ سياق تلقّي حديث النبي صلى الله عليه وسلم يختلف بين زمان الصحابة والتابعين فمن بعدهم وبين المتلقّين في الزمن الحاضر فما عاد التسليم ببعض الأحاديث متاحا وإن خرّج في الصحيحين.
- ألمحنا إلى فرادة منهج الشيخين عند تناولنا "حديث الضلع" بالدرس، وألمعنا إلى الحاجة لمعاودة "قراءة" كتابيهما قراءة فاحصة عن منهجهما في اختيار الرواية، وفي إشاراتهما الناقدة لها.
1- الجاحظ عمرو بن بحر بن محبوب الكناني بالولاء، الليثي، أبو عثمان (ت 255هـ)، البيان والتبيين، دار ومكتبة الهلال، بيروت، 1423 هـ، 2/ 13 – 14.
2- البخاري، الصّحيح، كتاب أحاديث الأنبياء، بَابُ خَلْقِ آدَمَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَذُرِّيَّتِهِ، رقم 3331. ومسلم، الصّحيح، كتاب الرضاع، باب الْوَصِيَّةِ بِالنِّسَاءِ، رقم60 – (1468) قوله: "خيرا" ، من لفظ مسلم.
3) ابن أبي حاتم الرازي أبو محمّد (ت 327هـ)، الجرح والتعديل، المقدمة، 1/ 351.
4) العطار حسن بن محمّد (ت1250 هـ)، حاشية العطار على شرح الجلال المحلي على جمع الجوامع، 1/ 320.
5) الشمالي ياسر أحمد، السياق اللغوي وأثره في فقه الحديث النبوي، حديث "من تقرّب إليّ شبرا تقرّبت إليه ذراعا " نموذجا، مقال بمجلة دراسات علوم الشريعة والقانون، ص 195.
6) بالطيب محمد، المقاربة الحضاريّة للنّصوص: خصائصها ومقوّماتها، مقال ضمن أعمال ندوة قسم الحضارة الإسلاميّة بالمعهد العالي للحضارة الإسلاميّة – جامعة الزّيتونة- بعنوان: الدّرس الحضاري: الإشكالات والآفاق، المنعقدة بتاريخ 24 – 25 نوفمبر2021، جمع نصوصها وراجعها وأعدها للنّشر عبد السلام حمدي، ط 1، مجمع الأطرش للكتاب المختص، تونس 2022، ص 224.
7-" لذلك تحتاج مقاربة النصوص مقاربة حضارية جادّة إلى إحاطة دقيقة بالظروف التاريخية التي يتنزّل فيها النص وصاحبه، ومعرفة بالملابسات الحافة بتأليفه… فنصوص أئمة المذاهب الفقهيّة كالرسالة مثلا، لا يؤتي شرحها أكله إلا باستحضار السياق التاريخي الذي ظهرت فيه والاستضاءة بأحداثه حتى يستقيم التّحليل وتصحّ النتائج، ومن هنا كان توظيف التاريخ في المقاربة الحضارية للنصوص. فليست الأحداث التاريخيّة مقصودة لذاتها كما هو الشأن عند المؤرّخ وإنّما هي مطلوبة تنويرا للفهم وإضاءة للخطاب". م، ن، ص 226
8- الأفكار المطبوعة من المصطلحات التي استخدمها مالك بن نبي ليعبّر بها عن تلك المفاهيم والأفكار الأصيلة التي جاءت بها رسالة الإسلام؛ فطبعت مجتمعه بنماذج مثالية لعالم ثقافيّ جديد انفجر حضاريا على صورة لم يسبق لها مثيل.
والأفكار الموضوعة، يعني بها مالك بن نبي تلك التي يضيفها الأتباع إلى الأفكار المطبوعة فتحمل بصماتها المقدّسة في تناسق بديع وتوافق وثيق. وقد مثّل – بن نبي- لعالم الأفكار بالإسطوانة فقال :" إنّ إسطوانة كلّ مجتمع مطبوعة بطريقة تختلف عن إسطوانة مجتمع آخر، وتتناغم الأجيال والأفراد مع سلّمها الأساسي وهم يضيفون إليها أنغامهم الخاصّة بهم" . فالأفكار المطبوعة تمثّل الأنغام الأساسية ونماذجها المثاليّة، ولها توافقاتها الخاصّة بالأفراد والأجيال : وهي الأفكار الموضوعة. مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي، ترجمة بسّالم بركة وأحمد شعبو، ط/ دار الفكر المعاصر، بيروت - ودار الفكر، دمشق، 1423ه – 2002 م، ص 68. وترجمة محمد عبد العظيم عليّ، ط/ دار الحكمة، تونس، 1405 ه – 1985 م، ص 83 و86.
9 - النَّشَازُ: الشيءُ لا يكون في مستوى غيره. ونَغْمَةٌ نَشَازٌ : أَيْ خَارِجَةٌ عَنِ اللَّحْنِ الْمُحَدَّدِ فِي نِظَامٍ مُوسِيقِيٍّ مُعَيَّنٍ قَوْلٌ نَشَاز، يُثِيرُ الاشْمِئْزَاز.
10- مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي، ترجمة محمد عبد العظيم عليّ، ص 139.
11- مصطلح "الإسرائيليات" يعني ما تسرّب من الثقافة اليهوديّة إلى التراث الإسلامي؛ وما كان لها من أثر ظاهر فيه، وهذا المصطلح وإن كان يدل بظاهره على اللون الثقافي اليهودى، إلا أنَّه أريد به ما هو أوسع من ذلك وأشمل، فأريد به ما يعم اللون الثقافي اليهودى والنصرانى معا، وما تأثر به التّراث الإسلامي من الثقافتين اليهودية والنصرانية.
وإنما أطلق على جميع ذلك لفظ "الإسرائيليات"، من باب التغليب للجانب اليهودى على الجانب النصرانى، فإن الجانب اليهودى هو الذى اشتهر أمره فكثر النقل عنه، وذلك لكثرة أهله، وظهور أمرهم، وشدة اختلاطهم بالمسلمين من مبدإ ظهور الإسلام إلى أن بسط رواقه على كثير من بلاد العالَم ودخل الناس فى دين الله أفواجًا. الذهبي محمد السيد حسين (ت 1398هـ)، التفسير والمفسرون، ط2، دار الكتب الحديثة، مصر، 1396هـ - 1976م، 1/ 165.
12 - مثلا : كان ينكر على محمّد بن إسحاق(ت 151 ه) - صاحب كتاب السّير والمغازي- تتبعه غزوات النبي صلى الله عليه و سلم عن أولاد اليهود الذين أسلموا وحفظوا قصة خيبر و قريظة والنضير وما أشبهها من الغزوات عن أسلافهم وكان ابن إسحاق يتتبع هذا عنهم ليعلم من غير أن يحتجّ بهم. ابن حبان، محمد بن حبان بن أحمد التميمي البستي أبو حاتم (ت 354هـ)، الثقات، ط 1، دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الدكن الهند، 1393 ه - 1973 م،ج 7 ص 382 – 383
13- الدَّخَلُ :القومُ الذين يدْخُلون في قومٍ وينسبون إليهم وليسوا منهم. والدَّخَن: فَسَاد فِي الْقلب من بَاقِي عَدَاوَة.
14- ابن عاشور الشيخ محمد الطاهر، التحرير والتنوير "تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد"،(ت 1393هـ)، الدار التونسية للنشر - تونس، 1984 هـ، 1/ 451 بتصرّف.
15- وَقَدْ جَرَى إِبْرَاهِيمُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى سُنَّةِ الْفِطْرَةِ فِي دُعَائِهِ هَذَا، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ لَمَّا يَعْلَمُ مِنْ أَنَّ بَقَاءَ وَلَدِهِ بَقَاءٌ لَهُ يُحِبُّ أَنْ تَكُونَ ذُرِّيَّتُهُ عَلَى أَحْسَنِ حَالٍ يَكُونُ هُوَ عَلَيْهَا، لِيَكُونَ لَهُ حَظٌّ مِنَ الْبَقَاءِ جَسَدًا وَرُوحًا. رضا، محمد رشيد القلموني الحسيني (ت 1354هـ)، تفسير المنار، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1990 م، 1/ 375.
16- التحرير والتّنوير، 1/ 704 .
17- التحرير والتنوير، 1/ 705 بتصرّف.
18- م، ن، 1/ 454. قال الشّيخ ابن عاشور رحمه الله تعالى :" وهذا الميثاق أخذه الله على جميع الأنبياء، يؤذنهم فيه بأنّ رسولا يجيء مصدّقا لما معهم، ويأمرهم بالإيمان به وبنصره، والمقصود من ذلك إعلام أممهم بذلك ليكون هذا الميثاق محفوظا لدى سائر الأجيال، بدليل قوله تعالى :﴿فَمَن تَوَلَّيٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ اُ۬لْفَٰسِقُونَۖ﴾[آل عمران ] إذ لا يجوز على الأنبياء التّولي والفسق ولكن المقصود أممهم. وإلى هذا يرجع ما ورد في القرآن من دعوة إبراهيم عليه السلام﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاٗ مِّنْهُمْ ﴾[البقرة 128]. وَقَدْ جَاءَ فِي سِفْرِ التَّثْنِيَةِ 18: 18 قَوْلُ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: «قَالَ لِيَ الرَّبُّ أقيم لَهُم نبيئًا مِنْ وَسَطِ إِخْوَتِهِمْ مِثْلَكَ وَأَجْعَلُ كَلَامِي فِي فَمِهِ فَيُكَلِّمُهُمْ بِكُلِّ مَا أُوصِيهِ بِهِ» . وَإِخْوَةُ بَنِي إِسْرَائِيلَ هُمْ بَنُو إِسْمَاعِيلَ، وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ نَبِيئًا إِسْرَائِيلِيًّا لَقَالَ أُقِيمُ لَهُمْ نَبِيئًا مِنْهُمْ عَلَى مَا فِي تَرْجَمَةِ التَّوْرَاةِ مِنْ غُمُوضٍ وَلَعَلَّ النَّص الْأَصْلِيّ أصرح مِنْ هَذَا الْمُتَرْجَمِ. التحرير والتّنوير، 3/ 298.
19- أخرج ابْن أبي حَاتِم وَالْحَاكِم فِي الكنى وَابْن عدي وَابْن عَسَاكِر عَن ابْن عَبَّاس قَالَ كَانَ مِمَّا ينزل على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْوَحْي بِاللَّيْلِ وينساه بِالنَّهَارِ فَأنْزل الله﴿مَا ننسخ من آيَة أَو ننسها نأت بِخَير مِنْهَا أَو مثلهَ﴾.
وَأخرج الطَّبَرَانِيّ عَن ابْن عمر قَالَ: قَرَأَ رجلَانِ من الْأَنْصَار سُورَة أقرأها رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَكَانَا يقرآن بهَا فقاما يقرآن ذَات لَيْلَة يصليان فَلم يقدرا مِنْهَا على حرف فأصبحا غاديين على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ: إِنَّهَا مِمَّا نسخ أَو نسي فالهوا عَنهُ فَكَانَ الزُّهْرِيّ يقْرؤهَا ﴿مَا ننسخ من آيَة أَو ننسها ﴾. السيوطي عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين(ت 911 هـ)، الدر المنثور في التّفسير بالمأثور، دار الفكر، بيروت، [دت]، 1/ 254.
20- التحرير والتنوير، 1/ 653.
21- م،ن، 1/ 665.
22- قد علم أنّ " قولهم: هذا حديث صحيح الإسناد أو حسن الإسناد دون قولهم هذا حديث صحيح أو حسن ( لا يفيد الصّحة ولا الحسن) إذ قد يصحّ إسناده أو يحسن دون متنه لشذوذ أو علّة فإن قاله حافظ معتمد ولم يقدح فيه فالظّاهر منه حكمه بصحّة المتن أو حسنه". مقدمة ابن الصلاح، ط1، مكتبة الفارابي، 1984م، ص20، ابن جماعة محمّد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة الكناني الحموي الشّافعي، بدر الدين أبو عبد الله (ت 733هـ)، المنهل الروي في مختصر علوم الحديث النّبوي، تحقيق محيي الدين عبد الرحمن رمضان، ط 2، دار الفكر، دمشق، 1406 ه، ص 37.
23- قال حاكم المطيري: وقد كنت سمعت الشّيخ ابن عثيمين في بعض دروسه ينكر متنه ( يعني حديث الجسّاسة) دون التّعرض لإسناده، فعزمت على دراسته دراسة حديثيّة، فكتبت هذا البحث في حدود سنة 1997 م ثمّ أجلت نشره إلى ما بعد الدكتوراه، ثمّ بعثته بعد سنة 2000م للتّحكيم في مجلّة كليّة الشّريعة بجامعة الكويت فاعتذرت بعدم النّشر لطول البحث فاختصرته كثيرا ـ وهذه هي النّسخة المختصرة ـ وأرسلته إلى عدد من المجلّات العلميّة لتحكيمه في المملكة العربيّة السّعودية وفي مصر فاعتذرت كلّها مع اعتراف بعض المحكّمين في تقاريرهم بأنّ البحث يدلّ على أنّ مَنْ كتبه عالم ضليع في علم علل الحديث! إلّا أنّ جلالة صحيح مسلم تمنع من نشره!
موقع الدكتور حاكم المطيري، تاريخ الدّخول: 28/01/2021
http://www.dr-hakem.com/Portals/Content/?info
24- السّرخسي محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة (ت 483هـ)، أصول السرخسي، دار المعرفة، بيروت، [دت]، 1/ 339.
25- الجويني (إمام الحرمين) عبد الملك بن عبد الله أبو المعالي ركن الدّين (ت 478 ه)، البرهان في أصول الفقه، تحقيق صلاح بن محمد بن عويضة، ط 1، دار الكتب العلمية بيروت، 1418 هـ - 1997 م،1/ 255.
26- وهو من بشائر البعثة المحمّدية في قوله تعالى : ﴿اَ۬لذِينَ يَتَّبِعُونَ اَ۬لرَّسُولَ اَ۬لنَّبِےٓءَ اَ۬لْأُمِّيَّ اَ۬لذِے يَجِدُونَهُۥ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِے اِ۬لتَّوْرَيٰةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَيٰهُمْ عَنِ اِ۬لْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ اُ۬لطَّيِّبَٰتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ اُ۬لْخَبَٰٓئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَٰلَ اَ۬لتِے كَانَتْ عَلَيْهِمْۖ ﴾[الأعراف]
27- العقليّة الإحيائيّة : هي التي تتّجه إلى عبادة الله تعالى قي شكل ظواهر طبيّعيّة كالشّمس والقمر وهو ما ذكرته الآيات 75 – 80 حيث تصف الحالة الإحيائيّة ثم تتجاوزها باعتبارها انحرافا عن الفطرة لتنتهي إلى التّوحيد الخالص﴿ إِنِّے وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلذِے فَطَرَ اَ۬لسَّمَٰوَٰتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاٗۖ وَمَا أَنَا مِنَ اَ۬لْمُشْرِكِينَۖ (80)﴾[ الأنعام]، أو تجسد الألوهيّة في رموز صنميّة، وهي عقليّة إسرائيليّة قديمة تحدّث عنها القرآن الكريم في غير آية منه ﴿وَجَٰوَزْنَا بِبَنِے إِسْرَآءِيلَ اَ۬لْبَحْرَ فَأَتَوْاْ عَلَيٰ قَوْمٖ يَعْكُفُونَ عَلَيٰ أَصْنَامٖ لَّهُمْۖ قَالُواْ يَٰمُوسَي اَ۪جْعَل لَّنَا إِلَٰهاٗ كَمَا لَهُمْ ءَالِهَةٞۖ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٞ تَجْهَلُونَۖ (138)﴾[الأعراف ]، أو تحيل الذّات الإلهيّة إلى الصفات البشريّة على شاكلة ما في التوراة ، التكوين، 3 : 8 " ثمّ سمع الزوجان صوت الرّب الإله ماشيا في الجنّة … فنادى الرّب الإله آدم"أين أنت؟".
28- البخاري محمد بن إسماعيل أبو عبدالله(ت256 ه)، الصحيح، تحقيق، محمد زهير بن ناصر الناصر، ط1، دار طوق النجاة، 1422هـ،كتاب الاستئذان، باب بدء السلام، ح ر 6227 . مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري أبو الحسين (ت 261هـ)، الصحيح، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، [دط]،دار إحياء التراث العربي – بيروت، [دت]،ح ر 28 – (2841). همام بن منبه بن كامل بن سيج اليماني الصنعاني الأبناوي أبو عقبة(ت 131هـ)، صحيفة همام بن منبه،تحقيق علي حسن علي عبد الحميد، ط1،المكتب الإسلامي , دار عمار - بيروت , عمان 1407 هـ - 1987 م، ص 43 ح ر 58.
29- محمد رشيد بن علي رضا الحسيني (ت 1354هـ)،مجلة المنار،19/ 97، سنة 1344 ه . وقال في 29/ 37 : إن أبا هريرة (رضي الله عنه) كان من أحفظ الصحابة، وهو صادق في تحديثه. ولكن إسلامه كان في سنة سبع من الهجرة، فصحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث سنين ونيفًا، فأكثر أحاديثه لم يسمعها من النبي صلى الله عليه وسلم وإنما سمعها من الصحابة والتابعين، فإن كان جميع الصحابة عدولاً في الرواية كما يقول جمهور المحدثين، فالتابعون ليسوا كذلك، وقد ثبت أنه كان يسمع من كعب الأحبار، وأكثر أحاديثه عنعنة. على أنه صرح بالسماع من النبي صلى الله عليه وسلم في حديث (خلق الله التربة يوم السبت) .. إلخ، وقد جزموا بأن هذا الحديث غلط من أصله، وفي تفسير الحافظ ابن كثير أن أبا هريرة أخذه عن كعب الأحبار.
30- مجلّة المنار، 27/ 339 . وقد كرّر هذا المعنى
31- الكتاب المقدّس، كتاب الحياة ، ترجمة تفسيريّة، ط4، 1988.
32- ابن عاشور، م س، 1/ 693.
33- القرطبي محمّد بن أحمد أبو عبد الله (ت 671 ه)، تحقيق أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش، ط2، دار الكتب المصرية، القاهرة، 1384هـ - 1964 م،2/ 93.
34- المعلمي اليماني عبد الرحمن بن يحيى(ت 1386هـ)، الأنوار الكاشفة لما في كتاب "أضواء على السنة" من الزلل والتضليل والمجازفة، المطبعة السلفية ومكتبتها / عالم الكتب – بيروت، 1406 هـ / 1986 م،ص186. والعلي عبد المنعم صالح، دفاع عن أبي هريرة، ط1، مكتبة النهضة، بغداد – دار الشّروق، بيروت، 1393ه – 1973م، ص 260- 261.
35- ابن خزيمة محمد بن إسحاق أبو بكر السلمي النيسابوري (ت311هـ)، كتاب التوحيد وإثبات صفات الرّبّ عز وجلّ، تحقيق عبد العزيز بن إبراهيم الشهوان، ط 5، مكتبة الرشد – السعودية، 1/ 85. وألّف حمود التويجري، عقيدة أهل الإيمان في خلق آدم على صورة الرحمن" ، وقدّم له الشيخ ابن باز مقرّا مزكّيا. وهذا كاف في الجواب على سؤال المعلّمي: كان ماذا؟ غفر الله للجميع.
36- هذا إذا قدّرنا الذراع بالمعهود، لأنه إن قدّرناه بالمعهود فستكون يده قصيرة في جنب طول جسده. ولهذا ينبغي أن يكون التّقدير بقدر ذراع نفسه أو الذراع المتعارف يومئذ عند المخاطبين. انظر: القسطلاني أحمد بن محمد أبو العباس، شهاب الدين (المتوفى: 923هـ)، إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري، ط7، المطبعة الكبرى الأميرية، مصر، 1323 هـ، 9/ 130.
37- ابن حجر أحمد بن علي العسقلاني أبو الفضل (ت 852هـ)، فتح الباري شرح صحيح البخاري، ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي، تصحيح محب الدين الخطيب، تعليق عبد العزيز بن باز، دار المعرفة، بيروت، 1379 ه، 6/ 367.
38- قوله تعالى :﴿ هُوَ اَ۬لذِے بَعَثَ فِے اِ۬لْأُمِّيِّـۧنَ رَسُولاٗ مِّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ اُ۬لْكِتَٰبَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِے ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ (2) وَءَاخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْۖ وَهْوَ اَ۬لْعَزِيزُ اُ۬لْحَكِيمُۖ (3) ذَٰلِكَ فَضْلُ اُ۬للَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَّشَآءُۖ وَاللَّهُ ذُو اُ۬لْفَضْلِ اِ۬لْعَظِيمِۖ (4)﴾[الجمعة ]. فالأمّيون هم العرب، ثمّ كلّ من يلحق بهم فيدخلون الإسلام إلى يوم القيامة. دروزة، التفسير الحديث، م س، 7/ 331.
39- قال الشّيخ ابن عاشور:" ثُمَّ فِي الْإِصْحَاحِ الثَّامِنَ عَشَرَ ( سِفْرِ التَّثْنِيَةِ 18: 18) قَوْلُهُ: «يُقِيمُ لَكَ الرَّبُّ نَبِيًّا وَمن وسط أخواتك مِثْلِي لَهُ تَسْمَعُونَ حَسَبَ كُلِّ مَا طَلَبْتَ مِنَ الرَّبِّ فِي حُورِيبَ (أَيْ جَبَلِ الطُّورِ حِينَ الْمُنَاجَاةِ) يَوْمَ الِاجْتِمَاعِ قَالَ لِيَ الرَّبُّ أُقِيمُ لَهُمْ نَبِيًّا مِنْ وَسَطِ إِخْوَتِهِمْ مِثْلَكَ وَأَجْعَلُ كَلَامِي فِي فَمِهِ فَيُكَلِّمُهُمْ بِكُلِّ مَا أُوصِيهِ بِهِ» فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ هَذَا النَّبِيءَ مِنْ غَيْرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ لِقَوْلِهِ: «مِنْ وَسَطِ إِخْوَتِكَ» فَإِنَّ الْخِطَابَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ، وَلَا يَكُونُونَ إِخْوَةً لِأَنْفُسِهِمْ. وَإِخْوَتُهُمْ هُمْ أَبْنَاءُ أَخِي أَبِيهِمْ: إِسْمَاعِيلَ أَخِي إِسْحَاقَ، وَهُمُ الْعَرَبُ، وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ نَبِيئًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِثْلَ (صَمْوِيلَ) كَمَا يُؤَوِّلُهُ الْيَهُودُ لَقَالَ: مِنْ بَيْنِكُمْ أَوْ مِنْ وَسَطِكُمْ". التحرير والتنوير، 9/ 132.
40- الترمذي، الشمائل المحمدية، تحقيق سيد بن عباس الجليمين ط1، المكتبة التجارية، مصطفى أحمد الباز- مكة المكرمة، 1413 هـ - 1993 م، ص 336 ح ر 397 .
41- الراغب الأصفهانى الحسين بن محمد أبو القاسم(ت 502هـ)، المفردات في غريب القرآن، تحقيق صفوان عدنان الداودي، ط1، دار القلم-الدار الشامية - دمشق - بيروت، 1412 هـ، ص 87.
42- وهذا يصدّقه قول الله تعالى:﴿وَقُل لِّلذِينَ أُوتُواْ اُ۬لْكِتَٰبَ وَالْأُمِّيِّۧنَ ءَٰا۬سْلَمْتُمْۖ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ اِ۪هْتَدَواْۖ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ اَ۬لْبَلَٰغُۖ وَاللَّهُ بَصِيرُۢ بِالْعِبَادِۖ (20)﴾[آل عمران].
43- ابن الملقن عمر بن علي بن أحمد الشافعي المصري سراج الدين أبو حفص(ت804هـ)، التوضيح لشرح الجامع الصحيح،ط1، دار النوادر، دمشق، 1429 هـ - 2008 م، 13/ 101.
44- جواد عليّ، المفصّل في تاريخ العرب، ط 4،دار الساقي، بيروت، 1422هـ/ 2001م،15/ 106. وأضاف جواد عليّ : وإنّما سمعوها من أهل الكتاب". وهو خلاف ما نبيّنه.
45- هي أوّل سورة عرضت لتفصيل قصص الأنبياء مع أممهم. وقد نزلت بين جملتين من السور المكيّة : يكثر في الجملة التي نزلت قبلها السور القصيرة، التي تعرف بسور "المفصّل" (لكثرة الفصل بينها بالبسملة)، ويكثر في الجملة التي نزلت بعدها السور المتوسطة التي تعرف بسور "المئين". جعفر شرف، الموسوعة القرآنية (خصائص السور)،مراجعة أحمد حاطوم ومحمد توفيق أبو علي، ط1، دار التقريب الإسلامية، بيروت، 1420 ه – 1999م، 3/ 88. وقد قيل إنّ سورة الأعراف نزلت بعد سورة " ص" وقبل سورة " قل أوحي"… فلعلّ ذلك في السّنة الثّانية من البعثة"، قال الشيخ ابن عاشور :" ولا أحسب أن تكون سورة الأعراف قد نزلت في تلك المدّة لأنّ السور الطوال يظهر أنّها لم تنزل في أوّل البعثة". التحرير والتنوير، 8/ ق2/ 7.
46- قال الله تعالى: ﴿وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَي اَ۬لذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِۦۖ فَلَعْنَةُ اُ۬للَّهِ عَلَي اَ۬لْكَٰفِرِينَۖ (88)﴾[البقرة ]. قال الشّيخ ابن عاشور:وَقَدْ عُدِلَ عَنْ أَنْ يُقَالَ فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْكِتَابُ لِيَكُونَ اللَّفْظُ أَشْمَلَ فَيَشْمَلَ الْكِتَابَ وَالرَّسُولَ الَّذِي جَاءَ بِهِ فَإِنَّهُ لَا يَجِيءُ كِتَابٌ إِلَّا مَعَ رَسُولٍ. التحرير والتنوير، 1/ 602 . وكان اليهود يلقّنون المشركين ما يسألون النّبي صلى الله عليه وسلم، فأخرج أحمد بسناد صحيح عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " قَالَتْ قُرَيْشٌ لِيَهُودَ: أَعْطُونَا شَيْئًا نَسْأَلُ هَذَا الرَّجُلَ، فَقَالَ: سَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ، فَسَأَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾[الإسراء85]، قَالُوا: أُوتِينَا عِلْمًا كَثِيرًا أُوتِينَا التَّوْرَاةَ، وَمَنْ أُوتِيَ التَّوْرَاةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا، فَأُنْزِلَتْ ﴿قُلْ لَوْ كَانَ البَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ البَحْرُ﴾[الكهف 109 ] إِلَى آخِرِ الآيَةَ. المسند، تحقيق الأرنؤوط وآخرين، ط1، مؤسسة الرسالة، بيروت،1421 هـ - 2001 م،ح ر 2309
47- ابن هشام، عبد الملك بن هشام الحميري المعافري أبو محمد (ت 213هـ)، السيرة النّبويّة، تحقيق مصطفى السقا وإبراهيم الأبياري وعبد الحفيظ الشلبي، ط2، مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي، بمصر، 1375هـ - 1955 م،1م 492.
48- صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب قول الرّجل للرّجل اخسأ، ح ر 6173. ولعلّ هذا السبب في حذفهم وصف الأميّ من التوراة حتى لا يكون حجّة عليهم. انظر: التحرير والتنوير، 9/ 132.
49- المسيري عبد الوهاب،موسوعة اليهود واليهوديّة، ط1، دار الشروق، القاهرة، 1999م، مج 5 ج 2 ص 74. ويقابله " الأغيار" وهم درجات أدناها عبدة الأوثان والأصنام، وأعلاها أولئك الذين تركوا عبادة الأوثان، أي المسيحيّون والمسلمون".
50- جواد علي (ت 1408هـ)، المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام، ط4، دار الساقي، 1422هـ- 2001م، 15م 105.
51- المسيري، م ن، مج 5 ج 2 ص 240.
52- احتوت أسفارهم وصايا عديدة بالغريب تثبت حقوقه وتمنع عن ظلمه، قال محمد عزت دروزة مفسّرا هذا التعارض:"وهذا ما يجعلنا نعتقد أن ما جاء في بعض أسفارهم من نسبة تحريضهم على سكان أرض كنعان وإبادتهم أو استعبادهم والاستيلاء على ديارهم وأموالهم بدون سابق عداء إلى الله هو تحريف متأخر من اليهود لتبرير ما اقترفوه من جرائم وحشية عظمى تنزه الله عن أن يكون قد أمر بها.
التفسير الحديث،[دط]، دار إحياء الكتب العربية – القاهرة،1383 هـ، 7/ 175.
53- في قوله تعالى :﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ اُ۬لشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُۖ﴾. وقوله سبحانه: ﴿ يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ اِ۬لْأَهِلَّةِۖ قُلْ هِيَ مَوَٰقِيتُ لِلنَّاسِ﴾. وفي الحديث الصحيح: " صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ سَحَابٌ فَكَمِّلُوا الْعِدَّةَ ثَلاثِينَ". المسند، ح ر 1985.
54- المسيري عبد الوهاب، مج 5 ج 2 ص 256 – 257.
55- الطبراني سليمان بن أحمد بن أيوب اللخمي الشامي، أبو القاسم (ت 360هـ)، المعجم الكبير، تحقيق حمدي بن عبد المجيد السلفي، ط2، مكتبة ابن تيمية، القاهرة، [دت]، 5/ 138 ح ر 4876. قال الهيثمي:"رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ وَلَا أَدْرِي مَا مَعْنَاهُ، وَفِيهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ، وَفِيهِ كَلَامٌ كَثِيرٌ،وَقَدْ وُثِّقَ". مجمع الزوائد، 3/ 432 ح ر 5129 .
56- وانظر: اللاعي المغربي الحسين بن محمد بن سعيد (ت 1119 هـ)، البدرُ التمام شرح بلوغ المرام، ط1، دار هجر، 5/ 18 و 102.
57- مسلم بن الحجاج أبو الحسن القشيري النيسابوري (ت 261هـ)، التمييز، تحقيق محمد مصطفى الأعظمي، ط3، مكتبة الكوثر، السعودية، 1410ه، 170.
58- على عبد الباسط مزيد، منهاج المحدثين في القرن الأول الهجري وحتى عصرنا الحاضر، [دط]، الهيئة المصرية العامة للكتاب، [دت]، ص 81.
59- الجويني (إمام الحرمين) عبد الملك بن عبد الله أبو المعالي ركن الدّين (ت 478 ه)، البرهان في أصول الفقه،تحقيق صلاح بن محمد بن عويضة، ط 1، دار الكتب العلمية بيروت، 1418 هـ - 1997 م،1/ 255.
60- الذهبي محمد بن أحمد شمس الدين أبو عبد الله (ت 748هـ)، سير أعلام النبلاء، تحقيق شعيب الأرناؤوط وآخرين، ط3، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1405 هـ - 1985 من، 2/ 579. ونصرة بن أبي نصرة تصحّف في طبعة تهذيب التهذيبن 12/ 263 المطبوعة بدائرة المعارف النظامية بالهند سنة 1327 ه وعنها صورتها دار صادر.
61- مقدّمة ابن الصلاح (معرفة أنواع علوم الحديث)، تحقيق عبد اللطيف الهميم - ماهر ياسين الفحل، ط1، دار الكتب العلمية، 1423 هـ - 2002 م، ص 132.
62- ابن رشيد الفهري السبتي (ت 721هـ)، السنن الأبين والمورد الأمعن في المحاكمة بين الإمامين في السند المعنعن، تحقيق صلاح بن سالم المصراتي، ط1، مكتبة الغرباء الأثرية - المدينة المنورة، 1417ه، ص 135.
63- أبو داود سليمان بن الأشعث السَِّجِسْتاني (ت 275هـ)،السنن، تحقيق شعيب الأرنؤوط، ط1، دار الرسالة العالمية، 1430 هـ - 2009 م، كتاب العتق، باب في عتق ولد الزّنا، حر3963.
64- الطحاوي أحمد بن محمدأبو جعفر(ت 321هـ) شرح مشكل الآثار تحقيق شعيب الأرنؤوط، ط1، مؤسسة الرسالة، 1415 هـ، 1494 م، 2/ 367 رقم 910.
65- صحيح مسلم، كتاب الصلاة، باب الاعتراض بين يدي المصلي، ح ر 270 – (512) و273 - (513)
66- ابن ماجه، السنن، تحقيق الأرنؤوط، ط1، دار الرسالة العالميةن 1430ه- 2009م، أبواب الجنائز، بَابُ مَا جَاءَ فِي غُسْلِ الْمَيِّتِ، ح ر 1463.
67- الزركشي محمد بن عبد الله أبو عبد الله (ت 794هـ)، الْإِجَابَةُ لِإِيْرَادِ مَا اسْتَدْرَكَتْهُ عَائِشَةُ عَلَى الصَّحَابَةِ، تحقيق سعيد الافغاني، ط2، المكتب الإسلامي- بيروت،1390هـ – 1970م، ص 122.
68- مالك بن أنس الأصبحي المدني (ت 179هـ)، الموطأ، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي،دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1406 هـ - 1985 م، كتاب الصّيام،باب ما جاء في صيام الذي يصبح جنبا في رمضان، ح ر 11.
69- ابن كثير إسماعيل بن عمرالدمشقي (ت 774هـ)ن البداية والنهاية، تحقيق عبد الله بن عبد المحسن التركي، ط1، دار هجر للطباعة، 1418 هـ - 1997 م، 11/ 377.
70- الجصاص أحمد بن علي الرازي الحنفي أبو بكر(ت370هـ )، الفصول في الأصول، ط2، وزارة الأوقاف الكويتية،1414هـ – 1994م، 3/ 131.
71- المسند، ح ر 24865 . وصحيح البخاري،كتاب المناقب، باب صفة النبي صلى اللع عليه وسلم، ح ر 3568.
72- صحيح مسلم، كتاب صفة القيامة والجنّة والنّار، باب ابتداء الخلق وخلق آدم عليه السلام، 27 – (2789).
73- تاريخ أبي زرعة الدمشقي، م س، ص 544. ابن شبّة عمر بن شبة (واسمه زيد) بن عبيدة النميري البصري، أبو زيد (ت 262هـ)، تاريخ المدينة، تحقيق فهيم محمد شلتوت، ط1، دار التراث، ، بيروت، 1410 ه- 19990م، 3/ 800. وسير أعلام النبلاء، 2/ 600 – 601. وقال الشيخ شعيب الأرنؤوط: وهذا إسناد صحيح، محمد بن زرعة قال أبو زرعة في " تاريخه " 1 / 286: ثقة حافظ من أصحاب الوليد بن مسلم مات سنة ست عشرة ومئتين، ومروان بن محمد هو الطاطري: ثقة كما في " التقريب " وباقي السند من رجال الصحيح. ونقل الذهبي في السير، 2/ 603 ، قال: خَالِدُ بنُ عَبْدِ اللهِ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بنُ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيْهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: بَلَغَ عُمَرَ حَدِيْثِي، فَأَرْسَلَ إِلَيَّ، فَقَالَ: كُنْتَ مَعَنَا يَوْمَ كُنَّا مَعَ رَسُوْلِ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي بَيْتِ فُلاَنٍ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، وَقَدْ عَلِمْتُ لأَيِّ شَيْءٍ سَأَلْتَنِي. قَالَ: وَلِمَ سَأَلْتُكَ؟ قُلْتُ: إِنَّ رَسُوْلَ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ يَوْمَئِذٍ: (مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّداً، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ) . قَالَ: أَمَا لاَ، فَاذْهَبْ فَحَدِّثْ". قال الذهبي: يَحْيَى بنُ عُبَيْدِ اللهِ : ضَعِيْفٌ.
74- مسلم بن الحجاج، التمييز، ص 175. البداية والنّهاية، 11/ 377.
75- المسند، ح ر 7714
76- الطبري محمد بن جرير أبو جعفر(ت 310هـ)، جامع البيان في تأويل القرآن، تحقيق أحمد محمد شاكر، ط1، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1420 هـ - 2000 م، انظر على التوالي: 1/ 137. و6/ 456. و9/ 407.
77- المسيري عبد الوهاب محمّد، موسوعة اليهود واليهودية والصهيونيّة، ط1، دار الشروق،1999م، مج5/ج 3/ ص 328.
78- الإسرائيليّات في الغزو الفكري،م س، ص 123.
79- الذهبي، الإسرائيليات في التفسير والحديث،[دط]، مكتبة وهبة، القاهرة،[دت] ص 6 و5 بتصرّف.
80- م،ن، ص 6 و5.
81- أبو شهبة محمّد، الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير،ط4، مكتبة السنّة، القاهرة، 1408 ه، ص 4- 5.
82- إسرائيل بن زئيف (ولفنسون) أبو ذؤيب، كعب الأحبار، ترجمة ودراسة لويس صليبا، ط2، دار ومكتبة بيبليون، جبيل – لبنان، 2010، ص، ص 224.
83- إسرائيل بن زئيف م ن، ص 229.
84- المسند،8736. و10782.
85- النّجار عبد المجيد عمر، فقه التّحضّر الإسلامي، ط2، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ص 88
86- دروزة، التفسير الحديث، 5/ 444.
87- م ن، 5/ 443.
88- بُسْرُ بنُ سَعِيْدٍ المَدَنِيُّ مَوْلَى بَنِي الحَضْرَمِيِّ،الإِمَامُ، القُدْوَةُ حَدَّثَ عَنْ: عُثْمَانَ بنِ عَفَّانَ، وَسَعْدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَزَيْدِ بنِ ثَابِتٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَطَائِفَةٍ. ثقة لا يسأل عن مثله". انظر ترجمته في : سير أعلام النبلاء، 4/ 594. تهذيب التهذيب، 1/ 437.
89- مسلم بن الحجاج، التمييز، ص 175. سير أعلام النبلاء، 2م 606. البداية والنّهاية، 11/ 377.
90- البداية والنّهاية، 11/ 377.
91- القضاعي محمد بن سلامة أبو عبد الله (ت 454هـ)، تحقيق حمدي بن عبد المجيد السلفي، ط2، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1407 ه – 1986م، 1/ 401 ح ر 690. وابن ماجه محمد بن يزيد القزويني أبو عبد الله(ت 273هـ)، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء الكتب العربية، [دت]،1/ 594 ح ر1851. والنّسائي أحمد بن شعيب أبو عبد الرحمن (ت 303هـ)، تحقيق حسن شلبي، ط1، مؤسسة الرسالة – بيروت، 1421 هـ - 2001 م، ح ر 9124. وأخرجه أحمد، المسند،ح ر20695. عَنْ أَبِي حُرَّةَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ عَمِّهِ بلفظ:" فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ...". ومسلم في الصحيح، ح ر 147 – (1218). وعبد بن حميد، المنتخب،ح ر1133 بسند صحيح. وابن حزم، حجّة الوداع، ص 169،ح ر92 إلخ.
92- إسحاق بن إبراهيم المعروف بـ ابن راهويه المروزي (ت 238هـ)، المسند، تحقيق عبد الغفور البلوشي، ط1، مكتبة الإيمان - المدينة المنورة، 1412 ه- 1991م، 1/ 250 ح ر 214.
93- صحيح مسلم، كتاب الرضاع، باب الْوَصِيَّةِ بِالنِّسَاءِ، رقم60 – (1468). كذا عبارته في ط/ دار إحياء التراث العربي وفي ط/ دار طيبة.
94- صحيح البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، بَابُ خَلْقِ آدَمَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَذُرِّيَّتِهِ، رقم 3331.
95- صيغ محتملة للاتصال وللانقطاع ولما اختلف في اتصاله وانقطاعه من أنواع التحمل كالإجازة أو بعض أنواعها ، مثل (قال) و (عن) . ولكّن هذا التصنيف لهذه الصّيغة في الأداء متأخّر عن زمن أبي هريرة رضي الله عنه.
96- وهذا ممّا لا ينبغي استغرابه لأنّ ممّا يجب التنبه إليه: أنّ أسماء الكتب اليوم هي ليست من نسج المصنف بالضرورة، وإنّما قد تكون من نسج الطلاب أحياناً، ومن تصرف النساخ غالبا، وهذا الأمر يستحق الدراسة والتتبع لأنه تترتب عليه -اليوم- أمور كثيرة، فلو ثبت أنّ اسم الترمذي (الجامع) فإنّه يختلف عنه لو كان (الصحيح) أو (السنن)،وهذا يعرف فرقه طلبة العلم(...) والإشكال قائم بالنّسبة إلى الصحيحين في عدم إثبات الاسم على طرة الكتاب، ويؤيد هذا وقع الاختلاف الكبير في اسميهما بين النسخ المختلفة والأثبات". انظر: المحمدي عبد القادر بن مصطفى، الأباب في ضبط اسم الكتاب، ص 5 و6. https://new.books-library.net/free-1513163745-download
97- مثلا عبارة : "تقتله الفئة الباغية" في النسخة التي شرحها ابن بطال (ت449 ه) من صحيح البخاري، لم يذكرها في باب التعاون في بناء المسجد، وذكرها في باب مسح الغبار عن الرّأس في سبيل الله، لبيان أنّها مدرجة في الرواية.
98- تهذيب الكمال، 5/ 43 وما بعدها. ر ت 943.
99- صحيح البحاري، كتاب العلم باب كتابة العلم، ح ر 113.
100- سير أعلام النّبلاء، 2/ 600.
101- المستدرك، ح ر 7334.
102- ندرك جيّدا حال الأمة اليوم، ولا حول ولا قوة إلّا بالله العلي العظيم.
103- فتح الباري، 6/ 368.
104- ابن المنذر محمد بن إبراهيم النيسابوري أبو بكر(ت 319هـ)، كتاب تفسير القرآن، تحقيق سعد بن محمد السعد، ط 1، دار المآثر ، المدينة النبوية، 1423 هـ، 2002 م، 2/ 547.
105- البغوي الحسين بن مسعود أبو محمد (ت 516هـ)، شرح السنة، تحقيق: شعيب الأرنؤوط- محمد زهير الشاويش، ط2، المكتب الإسلامي - دمشق، بيروت، 1403هـ – 1983م، 12/ 221.